قبل الحديث عن حرب إسرائيلية في غزة 2-3

نشر 30 ابريل 2016 | 13:24

بعد الحديث عن الأحوال التي يعيشها الطرف الأهم في معادلة إحداث الحرب من عدمها في قطاع غزة والمتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، فالمقاومة الفلسطينية بقيادة حركة “حماس” تتابع العلاقة مع الاحتلال وتضع أمام ناظريها العديد من الحقائق قبل الإقدام على إشعال شرارة حرب جديدة مع ” إسرائيل”، ويمكن حصر رؤية الحركة في المتغيرات التالية:

1- المقاومة الفلسطينية باتت تعمل على أنها لا تريد تكراراً للحروب بقدر ما تحتاج لنتائج تُقرب من نهاية الكيان الإسرائيلي الذي يغتصب الأرض الفلسطينية، وهي بذلك تضبط الوضع الميداني في قطاع غزة لأبعد الحدود، بل تتجاوز العديد من استفزازات الاحتلال في الكثير من الأحيان؛ كي لا تنشغل في الرد على تلك التجاوزات للهدنة بين الجانبين على حساب الإعداد والتجهيز الذي تُريده هذه المرة أن يصل لنقطة فارقة خلال أي مواجهة مقبلة مع الاحتلال.

 

2- حركة “حماس” التي تقود سفينة المقاومة الفلسطينية في غزة تُدرك بأن اندلاع أي حرب على ساحل فلسطين الجنوبي في الوقت الراهن سيحرف البوصلة والاهتمام واشتداد وتيرة نيران انتفاضة القدس التي باتت تكوي ظهور الإسرائيليين في مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة.

 

3- قبل خوض قطاع غزة لحرب جديدة تعمل حركة “حماس” بكل جهد مستطاع لتقوية وتصليب الجبهة الداخلية؛ وذلك لاعتقادها الجازم بأن الجمهور الداخلي وصلابته تساهم في انتصار المقاومة الفلسطينية، وفي سبيل تحقيق هذا الأمر فهي تعتقد أن استمرار معاناة أصحاب المنازل المدمرة لا يساهم في تعزيز الجبهة الداخلية ويجعلها غير مستعدة حتى الآن لخوض هذه المواجهة.

 

4- على مكاتب صناع قرار المقاومة الفلسطينية تتناثر العديد من الملفات والخطط، ولا يغيب عنها بالمطلق توقعات الفشل للعديد من البنود، لكن السؤال الأهم عندهم: ماذا يريد الفلسطينيون من الحرب المقبلة مع “إسرائيل”؟ وما الذي ستحققه المقاومة الفلسطينية من وراء خوض تلك الحرب؟. إن الإجابات على هذه الأسئلة بحاجة لتدريب وتجهيزات وبنك أهداف وضربات موجعة للاحتلال الإسرائيلي، وهي إجراءات لم تنتهي منها المقاومة الفلسطينية بعد.

 

5- ينظر قادة المقاومة الفلسطينية بعين القلق لمسألة توتر العلاقة السعودية الإيرانية والتحشيد الطائفي في المنطقة العربية، وهو ما ينعكس بالسلب على القضية الفلسطينية، فالسعودية ومن خلفها الدول السُنية مشغولة في مواجهة ما تُسميه بـ” المد الشيعي” في المنطقة العربية، وإيران لا تملك الوقت الكافي لترك جبهة المواجهة التي تلتصك بها بشكل مباشر في سبيل تقديم الدعم المناسب للشعب الفلسطيني حال اندلعت أي حرب بغزة.

 

6- إن اندلاع أي مواجهة للفلسطينيين مع الاحتلال الإسرائيلي على أرض غزة يعني استمرار الاحتلال وحلفائه من العرب والفلسطينيين في حشر حركة “حماس” كرأس حربة للمقاومة الفلسطينية في ساحة غزة فقط وعدم دفعها للتفكير بتطوير أدائها وتحقيق أهدافها وبخاصة على ساحة الضفة الغربية المحتلة التي باتت تتململ في تلك المنطقة هذه الأيام.

 

7- تدرك المقاومة الفلسطينية جيداً أنها إذا لم تحقق بأقدامها وأظافرها أي إنجاز للشعب الفلسطيني فستكون الحرب فاشلة بالنسبة لها، وهي بذلك تستحضر تجربة العام 2014م حينما عولت على الموقف الدولي لنصرة القضية الفلسطينية، ولم يأتِ هذا التعويل بشيء من التوقع، ولذلك باتت المقاومة تعتمد في عملها على نظرية “ما حك جلدك مثل ظفرك”، وفي الوقت الراهن إن “حكت جلدها بظفرها” فسوف تسبب له التهاباً هي في غنى عنه هذه الأيام.

 

8- إن نجاح أي طرف في أي جولة من جولات القتال يعتمد على امتلاكه مجموعة من المفاجآت، وكان واضحا أن ما أدى لارتفاع رصيد المقاومة الفلسطينية وتأييدها شعبياً خلال حرب العام 2014م هو امتلاكها لمجموعة من العمليات المفاجئة التي أربكت حسابات الاحتلال الإسرائيلي، والتي بدونها كان سيعيش الشارع الفلسطيني بل والإسلامي انتكاسةً جديدة تُضاف لسلسلة الانتكاسات التي كانت نتيجة أي مواجهات عربية سابقة مع الاحتلال الإسرائيلي. إن الوقت الحالي غير ملائم للمقاومة الفلسطينية في سبيل إشعال شرارة حرب جديدة فعدد المفاجآت لديها ليس كبيراً يرتقي لحجم تفكيرها، خاصةً وأنها تسعى لتقليل عدد الحروب مع الاحتلال مقابل رفع أسهم الإنجازات على الأرض.

 

9- تُدرك هيئة أركان المقاومة الفلسطينية أن إعلان أي حرب من جانب غزة على الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن سيكون سلبياً للغاية، بل وأكثر سوءاً على القضية الفلسطينية، فهي تلاحظ جيداً أن المستوى الفلسطيني الداخلي غير مستعد، والمستوى العربي غير معني ومشغول في أزماته الداخلية وانقساماته وتشققاته، أما المستوى الدولي فهو متواطئ مع الاحتلال الإسرائيلي. وبالتالي فأي شرارة من قبل غزة لن تحرق سوى غزة دون تحقيق نتائج يشعر بها المواطن المُحاصر بنشوة الانتصار مقابل معاناته اليومية.

 

مما سبق يتضح بأن غزة ومقاومتها كما الاحتلال الإسرائيلي غير معنيين باندلاع مواجهة بينهما في الوقت الراهن، وهذا بناء على المتغيرات المحيطة بكلا الجانبين ونظرتهما لهذا الأمر، غير أن هذه المتغيرات تعيش وإيانا على رمال متحركة تتحرك باستمرار، وقد نرى شرارة حرب لا ترغب بها غزة أو “إسرائيل” على حدٍ سواء، لكنها ستشتعل رغما عن الجميع، وهي سيناريوهات سنتعرف عليها وأسبابها بإذن الله تعالى في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال.