يواصل بريجسنكي في كتابه «رؤية استراتيجية» نعي القوة الأميركية ووصف تداعيات نهاية الحلم الأميركي فيقول عن السبب الخامس «هشاشة أميركا الخامسة هي في جمهور يكاد لا يعرف شيئا عن العالم، فالحقيقة المزعجة هي أن جمهور الولايات المتحدة ليس متوفرا إلا على قدر مرعب من الضآلة والمعرفة عن الجغرافيا العالمية، وهذا نابع بالتأكيد من نظام التعليم العام المعطوب أو الفاشل»، وضرب بريجنسكي أمثلة باستطلاعات رأي أجريت في فترات مختلفة على طلاب المدارس الثانوية والجامعات في الولايات المتحدة أثبتت جهلهم بمواقع دول كانت الولايات المتحدة متورطة في حروب معها مثل أفغانستان والعراق حتى أن 63% لم يستطيعوا أن يحددوا موقع منطقة الشرق الأوسط بكليتها وليس إحدى دولها فيما عجز 88% عن تحديد مكان أفغانستان و75% عن تحديد موقع إيران، وقد أثبتت الدراسات على الطلاب في كل عدد من الدول الأوروبية والأميركية أن أميركا تحتل المرتبة قبل الأخيرة قبل المكسيك في أحداث الجغرافيا والصراعات القائمة في العالم، وهذا المستوى من الجهل لدى الأميركان يضاف إليه غياب التغطية الأخبارية في وسائل الاعلام الأميركية لاسيما القنوات التليفزيونية عن شؤون العالم، بينما القصص التافهة والمثيرة تحتل الاهتمام الأساسي لدى وسائل الاعلام لدى الأميركان عموما، فيما لا يتم تغطية أحداث العالم إلا عبر الصحف الخمس الرئيسية التي لا يقرؤها عموم الأميركان مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وغيرهما.
أما الخلل السادس فهو النظام السياسي المتزايد في الاختناق والمفرط في الحزبية، ولعل هذا تجلى الآن في المرشحين الأميركان وعلى رأسهم دونالد ترامب الذي يدمر التنوع القائم في المجتمع الأميركي وينحو به نحو التطرف، وقد وصف بريجنسكي قبل سنوات هذا الخطاب الحزبي قائلا «طغيان الخطاب الحزبي المسعور مع بقاء الجمهور الأميركي الجاهل نسبيا يعيش نهبا للتضليل»، كما أن الحملات السياسية الانتخابية تزداد ضعفا أمام اللوبيات الداخلية والخارجية ذات الامكانية المالية الهائلة التي تقوم بتوظيف البنية السياسية الأميركية لخدمة مصالحها الضيقة وأجنداتها على حساب المصلحة القومية والوطنية الأميركية، بعد ذلك يعقد بريجنسكي مقارنة بين الولايات المتحدة وحليفتها الأوروبية ويؤكد أن أوروبا رغم تفوقها في بعض المجالات عن الولايات المتحدة إلا أنها تشاركها بعض المشاكل، وأن هذه العوامل الستة توفر ذخيرة لأولئك المقتنعين بحتمية الانحطاط الأميركي.
قراءة عوامل الانحطاط ونهاية الحلم الأميركي من شخصية مثل بريجنسكي والتي تؤكدها معطيات كثيرة يجب أن تدفع الدول التي تراهن على أميركا اليوم أن تنظر إلى المستقبل، كما أن تراجع النفوذ والاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط يؤكد على أن الحلم الأميركي بدأ ينحسر وعلى الأمم التابعة أن تفكر في صناعة تاريخها وحضارتها بنفسها وإلا فإن مصيرها سيكون مصير الولايات المتحدة التي تتعلق بها.