لو كانت هناك ثمة دماء تجري في عروق متعهدي «الممانعة» و»المقاومة» وأبواقهم لكان قد تم التوقف عند اللقاء الذي جمع الخميس الماضي رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلادمير بوتين في موسكو؛ حيث إن مواصلة صمت هؤلاء المتعهدين على التفاهمات الروسية الصهيونية يضع الكثير من علامات الاستفهام حولهم وحول مواقف التيار الذي يمثلونه.
فالحوار الروسي الصهيوني يعري كل المبررات التي تقدمها إيران وحزب الله ونظام بشار الأسد لتسويغ التحالف مع موسكو؛ لأنه يظهر أن صناع القرار في طهران قد قبلوا عملياً بواقع التحالف الروسي الصهيوني، وكل ما يترتب عليه من تمكين تل أبيب من تحقيق مصالحها، فقط لأن الروس يحرصون على بقاء نظام الأسد.
فقد تبين أن نتنياهو وبوتين في اجتماعهما الذي عقد للمرة السابعة، قد بحثا التعاون المشترك الهادف إلى تحديد طابع وسمات الخارطة المستقبلية للشرق الأوسط بما يخدم مصالح الطرفين، إلى جانب تعزيز التعاون في مواجهة التحولات الإقليمية. وفي حال قشعنا قشرة الدبلوماسية التي تغطي المفاهيم الصهيونية، يتبين أن التعاون في رسم خارطة الشرق الأوسط يعني تقسيم سوريا وفق المصالح الروسية والصهيونية. ولا شك أن الكثير من الصيغ قد تم تداولها في اللقاءات التي تجمع قادة المستوى السياسي والمستوى المهني لكل من تل أبيب وموسكو. ليس هذا فحسب، بل إن موسكو لا توفر فرصة دون التأكيد صراحة أنها تراعي مصالح تل أبيب عند اتخاذ أي قرار يتعلق بسوريا. وهذا ليس مجرد استنتاج، بل هو إقرار روسي واضح وجلي.
وقد أكدت مصادر صهيونية متواترة أن الروس التزموا أمام نتنياهو بأنهم سيحرصون على أن يأخذ أي حل مستقبلي في سوريا المصالح الصهيونية، على اعتبار أن موسكو من رعاة محادثات جنيف الرئيسيين. وقد قال السفير الروسي في تل أبيب إليكساندر شاين إن روسيا «دائماً تحرص على أخذ الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية في أي قرار يتعلق بسوريا».» وحسب شاين فإنه في كل ما يتعلق بسوريا، فإن التعاون والتنسيق بين موسكو وتل أبيب يتعزز مع الوقت». وفيما يدلل على طابع الشراكة بين إسرائيل وروسيا، ومن أجل طمأنة تل أبيب، فقد نفى شاين أن تكون روسيا قد التزمت باستهداف تنظيم «داعش» و»جبهة النصرة» فقط، مشيراً إلى أن هناك تنظيمات جهادية أخرى في سوريا «ستواصل روسيا ملاحقتها وضربها».
ليس هذا فحسب، بل أن شاين حرص على إبلاغ الصهاينة بأن تواجد كل من إيران وحزب الله يهدف فقط لمواجهة الحركات الجهادية السنية، حيث قال:»نحن والإيرانيون نقاتل منظمات الجهاد العالمي، هناك فراغ كبير ترك في سوريا، والمنظمات الجهادية استغلته وأسست قواعد هناك، وعندما يتم القضاء على هذا الخطر فلن يكون هناك مبرر لتواصل الوجود الإيراني والروسي بالحجم الحالي». ومن الواضح أن روسيا قد حصلت على ثمن مقابل خدماتها لإسرائيل. فقد كشفت صحيفة «يسرائيل هيوم»، التي تعد الصحيفة الأكثر قرباً من ديوان نتنياهو أن تل أبيب قدمت مساعدات لروسيا مكنتها من التدخل في سوريا بشكل مثالي، مشيرة إلى أنه بدون التعاون الإسرائيلي كان الروس «سيغوصون في الوحل السوري حتى العنق». وقد مهد نتنياهو لزيارته لموسكو باعترافه لأول مرة بتنفيذ هجمات في عمق الأراضي السورية، وذلك من أجل التأكيد على خطوط تل أبيب الحمراء أمام موسكو. ومن الأهمية بمكان الاستماع لمئير بلوشطاين، القيادي في حزب الليكود الذي قال إن تل أبيب استنفذت الطاقة الكامنة في العلاقات مع موسكو دون التنازل «قيد أنمة عن المصالح الإسرائيلية». ويتضح من كلام بلوشطاين أن بوتين يقدر امتلاك الكيان الصهيوني سلاحاً نووياً، إلى جانب إدراكه للتأثير الطاغ لتل أبيب على الكونغرس الأمريكي الذي كان وراء سلسلة من العقوبات ضد موسكو.
قصارى القول، يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الحرص على بقاء نظام الأسد مهد لإرساء دعائم تحالف خطير بين روسيا والكيان الصهيوني لن يدفع ثمنه فقط الشعب السوري، الذي تفتك الطائرات الروسية بأرواح أبنائه، بل أن إيران وحزب الله سيدركان في وقت لاحق أن كلفة انهيار نظام الأسد ستكون أقل بكثير من كلفة التحالف بين تل أبيب وموسكو. إن هناك الكثير من المؤشرات التي تدلل على أن الروس يتخلون عن إيران وحزب الله. ألم يواصل الصهاينة استهداف ما وصف بأنه قوافل سلاح متجهة من سوريا إلى لبنان، حتى بعد التدخل الروسي. ألم تتم تصفية سمير قنطار القيادي في حزب الله داخل سوريا، دون أن يصدر عن روسيا أي رد، بل واصلت التنسيق مع تل أبيب. ومما لا شك فيه أن أخطر نتائج التنسيق بين روسيا والكيان الصهيوني يتمثل في تقسيم سوريا وفق المصالح الروسية والصهيونية.