طالما هناك احتلال فلن يكون هناك أمن دائم، وهذه إجابة نهائية غير قابلة للتفاوض؛ لأنها إجابة بديهية يفرضها المنطق، ولا يمكن لأي سياسي أو عسكري أن يخالف طبيعة الأشياء مهما بلغ من الدهاء أو الجبروت، والنهاية الحتمية هي زوال الاحتلال واندثاره. ولكن يمكن للسياسيين والعسكريين أن يضعوا سؤالًا آخر يمكنهم الإجابة عنه وهو: متى تنجح (إسرائيل) في توفير قدر كبير من الأمن لفترة محدودة من الزمن؟؟. (إسرائيل) عاشت فترتها الذهبية ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لمناطق 67 حتى اندلاع الانتفاضة الأولى بقوتهم العسكرية في غياب الوعي الشعبي الكافي والاستعداد لمواجهة الاحتلال، وعاشت كذلك فترة ذهبية أخرى من عام 1995 تقريبًا حتى انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000 بقوة اتفاقية سياسية فرضتها (إسرائيل) ومنظمة التحرير على الشعب الفلسطيني على أمل إقامة دولة فلسطينية. أعتقد أنه لم يعد هناك مجال لخداع الشعب الفلسطيني سياسيًّا ولا قهره عسكريًّا, ولا بد من إيجاد حلول سياسية حقيقية إذا أرادت (إسرائيل) أن تنعم بفترة من الأمن.
بعض الناس يحبون اختلاق أسباب لإسعاد أنفسهم حتى لو احتفل بعيد ميلاده أكثر من مرة في العام الواحد، وهكذا فعلت دولة الاحتلال حين قامت بحملة إعلامية وسياسية لتأكيد انتصارها على شعبنا المقاوم بادعائها النجاح في إخماد انتفاضة القدس، وهي تعلم أن عملية طعن أو إطلاق نار هنا أو هناك لن تعكر عليها احتفالها، وقد صدقت بعض الأطراف الفلسطينية تلك الأوهام وحاولت بدورها تبني نجاح إخماد الانتفاضة، النجاح _كما نعلم_ له مائة أب, والفشل لقيط ملقى على قارعة الطريق. المفاجأة لم تطل، وهذه المرة لم تكن عملية طعن أو إطلاق نار, وإنما عملية قد تكون استشهادية _حسب التحقيقات الأولية الإسرائيلية_، عملية تفجير باص في القدس، حيث طار سقف الباص وطار معه صواب (إسرائيل), وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وكل ذلك لأن (إسرائيل) فشلت في معرفة الطريقة التي تمكنها من توفير الأمن لشعبها لفترة محدودة من الزمن.
حتى يتحقق الأمن المؤقت للمحتل الإسرائيلي لا بد أن يعيش الشعب الفلسطيني حياة آمنة وكريمة، وتسلم أرضه ومقدساته من الاعتداءات الإسرائيلية, وله مطلق الحرية في الحركة والعبادة واختيار من يمثله في الداخل وأمام المجتمع الدولي دون تدخل من دولة الاحتلال والدول العربية والأجنبية، وأن يكون هناك حل سياسي حقيقي يضمن إقامة دولة فلسطينية في المناطق المحتلة عام 67 بعد انسحاب إسرائيلي غير مشروط باعتراف متبادل أو مرهون باتفاقات تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني أو تمس ثوابته.