الهدوء الذي تخلل النهار الماضي ما لبث أن ذهب بالاهتزازات التي أحدثتها صواريخ طائرات ومدفعية الاحتلال الإسرائيلي خلال تلك الليلة، فقد أخذت تقصف بشكل عنيف وعشوائي العديد من الأهداف في قطاع غزة، وما إن ننتهى من معرفة الهدف الذي وصلت إليه الصواريخ حتى نبدأ بالبحث عن أهداف أخرى نتيجة انفجاراتٍ صدرت في نواحي أخرى من قطاع غزة، فقد تم خلال ساعات الليل وحدها استهداف وتدمير أكثر من ثلاثين منزلاً لمواطنين في القطاع، وأشد أوقات القصف كانت خلال الساعة التي سبقت وقت تناول السحور بقليل.
ولشدة سخونة تلك الليلة فقد عاش الصحفيون كذلك حالة من القلق الشديد على أرواحهم، وإن كنا صحفيين ونتواجد داخل مستشفى الشفاء بغزة، إلا أن الواقع أقنعنا بأننا في دائرة الاستهداف كوننا من نكشف وننقل معالم جرائم الاحتلال الإسرائيلي إلى العالم لعلنا بذلك نحاول إيقاظه وتنبيه ضميره لوقف المجازر المتواصلة في قطاع غزة.1
أتذكر جيداً أننا في تلك الليلة لم نجلس مجتمعين في الخيمة المخصصة لنا، بل كنا نتنقل من زاوية لأخرى داخل المستشفى، خاصة في ظل التحليق المكثف لطائرات الاحتلال في أجواء المكان لكافة أنواع الطائرات الحربية، وقبل وقت السحور بدقائق أتذكر جيداً زميلي “طارق” الذي يعمل في إحدى الإذاعات المحلية، فقد أصر للخروج من المستشفى للاطمئنان على زملائه في مقر العمل، نصحناه كثيراً بعدم الخروج نتيجة الخطر الشديد، وقال بأنه يلبس درع عليه شارات الصحافة، وحاول إيهامنا بأن ذلك من الممكن أن يحميه، لكننا أخبرناه باستحالة ذلك، فاستهداف الصحفيين يتم بشكل منظم وليس عشوائياً.
غادرنا “طارق” ومضى، لكنه رجع إلينا بعد دقائق معدودة فقط وقد تعرض لإصابات ورضوض مختلفة، بعد استهداف المبنى المجاور لمقر عملهم من قبل طائرات الاحتلال المجنونة.
وببطءٍ شديد تحركت عقارب الساعة لتعلن بدء نهار جديد، وبكل تأكيد فالتصعيد الكبير الذي قامت به طائرات الاحتلال الإسرائيلي، قابلته المقاومة الفلسطينية منذ ساعات الصباح وحتى ما قبل الظهيرة بقليل بوابل من صواريخها وقذائفها في رسالة منها على ما يبدو بأن القصف بالقصف والدمار بالدمار.
ورغم أن الإعلاميين والصحفيين كانوا بحاجة ماسة لبعض الوقت للراحة، بعد ليلة ملتهبة من قبل الاحتلال، غير أن الأمر لم يحدث، ففي ساعات الصباح وبينما كان مجموعة من الأشقاء يلهون على شاطئ بحر مدينة غزة باغتتهم الزوارق الحربية الإسرائيلية بوابل من قذائفها حول أجسامهم الغضة الطرية لأشلاء اختلطت في رمال الشاطئ.
دقائق معدودة فقط كانت كفيلةً بقلب المستشفى رأساً على عقب، فقد وصل أهالي الأطفال الشهداء إلى المشفى وكانوا بحالة صعبة للغاية، فإن تفقد طفلاً من أطفالك فهذا يمثل قمة الألم، أما أن تفقد أربعةً جملة واحدة، فهذا أمرٌ لا يتخيله منطق وعقل بشري. وخلال ذلك جاءت إحدى النساء التي ألقت بنفسها في ساحة المستشفى وهي تصرخ، بصرخات اقشعرت منها أبداننا، وبكاؤها كان على أبنائها، غير أنها ومن هول الصدمة لم تكن مصدقة باستشهادهم جميعاً. وبعدما ألقت تلك المرأة بنفسها في ذلك الوقت أوقفنا عملنا الصحفي قليلاً واستنفرنا مشاعرنا وتصرفاتنا الإنسانية والأخلاقية، فقد قمنا بمحاولة ستر تلك المرأة حتى لا ينكشف منها شيء، كما أمرنا الزملاء المصورين بعدم تصوير أي مشهد، وطلبنا من نسوةٍ تجمهرن في المكان أخذها لمكان آخر ومحاولة التخفيف عنها.