تفتيتٌ للصخر بعيداً عن الإعلام

نشر 04 ابريل 2016 | 12:18

المتابعُ للجهود الكبيرة التي تقوم بها حركة “حماس” بأجنحتها المختلفة يُدرك بأنها أفعالٌ لا يقوى على أدائها أي صنفٍ من الناس، غير أن الحركة ورغم جهودها الكبيرة لا تُجيد حتى الآن فن تسويق الانجازات التي تحققها وتقدمها للقضية الفلسطينية، ولعل هذا الأمر يظهر جلياً في عملها الحكومي الذي تقوم به على مدار الساعة في ساحة قطاع غزة منذ أن تنصلت السلطة الفلسطينية من مسئولياتها منتصف شهر يونيو عام 2007م، وتركت “الجمل بما حمل” للحركة الإسلامية دون النظر لشرف مهنة الطبيب أو قسم المعلم والقاضي ورجل الأمن، وغيرها من المهن التي لا يجب بأي حالٍ من الأحوال خضوعها للمناكفات السياسية. ولكن في بلادنا فالنذالة يعتبرها البعض “حرية عمل سياسي”.11

 

إن آلاف الموظفين الذين استعانت بهم الحركة بعدما سحبت السلطة الفلسطينية آلاف الموظفين وأجبرتهم على الجلوس في بيوتهم وتقاضي رواتبهم دون مساعدة “حماس” الفائزة في الحكم بحسب صناديق الاقتراع لإنجاز برنامجها السياسي، أخذوا يفتتون في صخر الواقع المُر على مدار سنوات، ورغم عددهم القليل إلا أن العمل الحكومي في قطاع غزة لم يتراجع أو ينكسر كما سعت له أطراف مختلفة وفي مقدمتها فلسطينية، بل وفي كثير من الأحيان حقق ذلك القطاع المهم لمسات إبداعية وفنية كبيرة، بالتوازي مع محاولات تجفيف المنابع وإغلاق أي روافد مالية هي في إطار الاستحقاق في طريقها إلى الأيدي الطاهرة التي قررت إدارة غزة وعدم التنصل من المسئوليات.

 

وعلى مدار سنوات من الحصار المشدد الذي تعرضت له المؤسسات الحكومية العاملة في غزة، والاستهداف مع كل تصعيد صهيوني كما يحدث في وزارة الداخلية الفلسطينية ووزارات أخرى، ووضع مسئولي بعض الوزارات على قوائم الاستهداف الصهيوني والتشويه الفتحاوي القذر، إلا أن السفينة واصلت اختراقها لأمواج البحر المتلاطمة، وحققت الإنجازات. صحيحٌ أن تلك الجهود التي كانت تتم قد انتابها العديد من العثرات والمسالب، وهذه طبيعة العمل البشري فمن يعمل يخطئ، لكنها أخطاء لا يُمكن حصر عمل الحكومة التي تقودها “حماس” فيها فقط.

 

وبعد تسلم حكومة التوافق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمد الله مهامها تجاه كافة الأراضي الفلسطينية، تفاءل البعض بإعادتها للوحدة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، غير مُدركين في ذات الوقت أنها لم تكن سوى أداة لخنق ما تبقى من أنفاس للمواطن الفلسطيني، وليست أداة لإدخال الأوكسجين لرئتيه اللتين أعياهما شدة الخنق.

 

ورُغم ذلك واصل الآلاف من موظفي غزة العمل والحفاظ على الثغور التي وقفوا عليها شامخين دون نظر الحكومة إليهم بعين الرحمة والاعتراف بحقوقهم وتسليم رواتبهم، وخلال هذه السنوات لم يتقاضوا سوى الفُتات من الراتب غالبيتها من الميزانية الخاصة بحركة “حماس” التي حملت الملف بمسئولية في ظل تنصل كل الفصائل الفلسطينية، ورغم ذلك تواصلت حملة التشويه والطعن والتشكيك بالحركة من الجمهور الفلسطيني وفي كثيرٍ من الأحيان من أبنائها.

 

القرارات التي يتم اتخاذها داخل أروقة الوزارات المختلفة بين الفينة والأخرى لا تُحسن الحركة تسويقها بالشكل الجيد، فتتعرض للتشويه والقذف عبر وسائل الإعلام المختلفة وعبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى وقع تلك الهجمات، تتراجع المؤسسات الحكومية أو تقوم بتجميد قراراتها التي كانت تسعى من ورائها لتحقيق المصلحة العامة للجمهور الفلسطيني والنهوض به أو تطويره، وبذلك تستمر سلسلة التخلف الإداري والفشل في العمل الحكومي، وهي حقيقة يُريدها خصوم حركة “حماس”.

 

إن من أهم الأسباب التي تؤدي لعدم توضيح الحقائق الكامنة وراء اتخاذ قرارات معينة للوزارة والمؤسسات الحكومية في غزة هو عدم نشر المعلومات المتعلقة بها في الوقت المناسب والأسباب الدافعة لاتخذاها وربما النتائج الإيجابية من وراء تطبيقها، ومن يتحمل المسئولية ذلك طرفين لا ثالث لهما: المسئول الإعلامي في تلك الوزارة أو المؤسسة والذي لا يُتقن فن التسويق الإعلامي المناسب للقرارات الحكومية، وربما بات الأساليب التي يستخدمها قديمة بقدم العلم الذي تلقاه، أو ذلك المسئول الذي لا يؤمن أصلاً بالدور الذي باتت تلعبه وسائل الإعلام المختلفة، ففي هذا الوقت إذا لم تكن أنت المهاجم والمدافع عن قراراتك فلن تكون بعد وقت قليل سوى من يتلقى الضربات المختلفة.

 

إن حركة “حماس” تمتلك جيشاً كبيراً من الإعلاميين ونشطاء الإعلام الجديد المتميزين والمُبدعين، لكنها ورغم مرور سنوات عليها داخل أروقة العمل السياسي، لم تتقن بعد فن استغلال هذا الجيش الجرار في مساعدتها لتحسين صورتها الناصعة أصلاً، وهي اختارت بذلك لنفسها تقتيت صخر الواقع ولكن بعيداً عن ساحة العمل الإعلامي.