سألت أحد رؤساء الحكومات العرب السابقين عن رؤيته لما يجري في المنطقة العربية ومن المستفيد الأول فقال: سأروي لك قصة صغيرة تلخص لك المستفيد الأكبر مما يجري في المنطقة من دمار وخراب وتستطيع أن تستشف منها إلى أين يمكن أن تصير الأمور، قلت له ما قصتك؟ قال: كنت في زيارة للولايات المتحدة الأميركية بعد تقاعدي من منصبي وكنت أقف في طابور الجوازات في مطار كيندي في نيويورك حينما اقترب مني شخص ومد يده للسلام على وبعدما سلمت عليه قال لي: أنا سفير إسرائيل السابق في الأردن وعرف لي اسمه؟ فهززت رأسي وقلت له مباشرة هل جئت للولايات المتحدة من أجل الترتيب لمؤامرات صهيونية جديدة على بلادنا؟ فضحك بصوت مرتفع ضحكة طويلة ثم قال لي: يا سيدي لم نعد بحاجة لعمل مؤامرات عليكم فالمنطقة تدمر نفسها بنفسها والحروب مشتعلة في كل مكان بشكل أكبر من كل أحلامنا ومخططاتنا ومؤامراتنا ونحن نجلس الآن نشاهد المنطقة وهي تدمر نفسها دون أن نكون بحاجة لبذل أي جهد أو نخطط لأي مؤامرات.
أصابتني إجابة الإسرائيلي في مقتل ولم أستطع الرد أو الجواب، ثم دار في رأسي خلال ثوان شريط مصور للدول العربية التي تشتعل فيها الحروب منذ سنوات وكيف تحولت ثورات الربيع العربي التي كانت تحمل الأمل إلى تلك الشعوب لتتحرر من ربقة الاستعمار العسكري أو الاستبدادي وتقيم أنظمة تليق بعراقتها وتاريخها وحضارتها فإذا بأعداء الأمة يحولون كل هذه الآمال إلى آلام وحروب ودمار وخراب وأصبحت أعداد القتلى والجرحى والمشردين في اليمن وسوريا والعراق وليبيا أكبر من الخيال كما فرغت بلادنا من خبرائها وأطبائها وخيرة أبنائها وتساءلت كيف تحولت الشعوب العربية التي عاشت مع بعضها طيلة قرون الإسلام في وئام وسلام إلى أمم متحاربة تتقاسمها العرقية أو المذهبية أو الطائفية.
لقد ذبحني الإسرائيلي بضحكته، لاسيما حينما نظرت إلى الجغرافيا المحيطة بإسرائيل فوجدتها كلها دمار وخراب وظلم واستبداد أين ذهبت العراق التي كان جيشها يبث الرعب في أوصال إسرائيل وأين ذهبت سوريا قلب العروبة النابض وكيف تحولت مصر إلى حام لإسرائيل وجيشها بعدما كان جيش مصر درع الأمة العربية وكيف تحول حاكمها إلى ذيل من ذيول إسرائيل يستقوي بهم على شعبه، وهل يعقل بعدما يقرب من مائة عام على فشل الاحتلال الفرنسي في تقسيم سوريا إلى خمس دويلات تعود الفكرة نفسها لتطرح من جديد مع تجريف بشري وعمراني لتاريخ سوريا وحضارتها وإنسانها، من حق الإسرائيليين أن يستريحوا من عناء المخططات والمؤامرات وأن يرفعوا أصواتهم بالضحك على أمة ضحكت من جهل حكامها الأمم.