لا يختلف اثنان عن التوصيف الجغرافي للحدود الفلسطينية المصرية، فالحدود الجنوبية لفلسطين هي حكر على جمهورية مصر العربية كما أن الحدود الشمالية الشرقية لمصر هي فلسطين, وحسب التقسيمات الاحتلالية التي بلعت فلسطين ولم يبق منها إلا قطع صغيرة مبعثرة لا يربطها رابط جغرافي فكان قدر قطاع غزة أن يرتبط جغرافيا مع مصر، ومنذ أزمته عام 1948م إلى يومنا هذا كانت الإدارة المصرية تحكم غزة عبر ممثلها الحاكم العام حتى عام 1967م عندما أطبق الاحتلال قبضته على فلسطين كلها وأجزاء كبيرة من الأراضي العربية المجاورة.
واليوم قطاع غزة الذي يعيش واقع الانقسام الفلسطيني ينظر إليه النظام المصري نظرة ريبة وشك وصل إلى حد اتهامها بالعمل العسكري فوق الأراضي المصرية لصالح الإخوان، واشتدت التهم مع إعلان وزير الداخلية المصري مجدي عبد الغفار قبل أسبوعين بضلوع حماس بعملية اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات الأمر الذي نفته حماس جملة وتفصيلا، أما الأمر غير المستهجن في عالم السياسة هو دعوة حماس رسميا لزيارة مصر بعد إعلان الاتهام مباشرة وعلى أعلى مستوى من قياداتها (أعضاء المكتب السياسي) للتشاور والتباحث عبر لقاءات مغلقة بعيدا عن الإعلام، وخروج بيان من قبل حماس يؤكد متانة العلاقة وحسن الجوار وإدانة اغتيال النائب العام وأن بوصلة حماس متجهة نحو القدس والعمق الفلسطيني، ثم خروج بعض الإعلاميين المصريين (الإعلامي وائل الأبراشي) بلهجة ايجابية نحو حماس وكأنها ترويض للشعب المصري وإعادة تشكيل وعي المواطن المصري لتقبل حماس بعد شيطنتها على مدار سنتين متتاليتين، هذا الأمر يجعل المتابعين للشأن المصري الفلسطيني يتفاءلون بأن هناك علاقة إيجابية بين الجانبين المصري والحمساوي تعد على نار هادئة وفي ظل أجواء مناخية داعمة للطرفين، فحماس أغلقت أمامها كل السبل في فك الحصار والتواصل مع العالم الخارجي عبر بوابة رفح المغلقة أو عبر ميناء يجري التفاوض عليه بين الاحتلال وتركيا الذي اصطدم بالجدار المصري السميك، وكذلك عدم قانونية الدعم القطري الموجه نحو البنية التحتية وعوامل صمود المواطنين الغزيين، والذي اصطدم بشرعية حكومة الوفاق الوطني مما أضعف موقفها، أما أجواء الجانب المصري فهي ليست بأفضل من حماس فالوضع السياسي والاقتصادي والأمني المصري في أسوأ حاله منذ سقوط الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك عام 2011م، الأمر الذي أدى إلى تراجع الدور المصري عربيا وإقليميا وعلى مستوى القضية الفلسطينية التي يعتبرها من محرماته الدولية لا يجوز لكائن من كان أن يمسها أو يتحدث باسمها، ناهيك عن حرب الاستنزاف التي يخوضها الجيش المصري في سيناء، هذه الأجواء العصيبة تقرض على مصر وحماس ضرورة الالتقاء والتعاون والقفز عن نقاط الخلاف والغموض لصالح نقاط التقارب والتصالح والوضوح فعلى حماس تقديم إجابات واضحة وجلية حول هدف مقاومتها المسلحة وضبط حدودها مع مصر وعلاقتها بالإخوان المسلمين وموقفها من الحرب المستعرة في سيناء، مقابل ذلك على الأم المصرية أن تعود لتحتضن غزة فتعمل على كسر الحصار فتفتح معبر رفح بصورة دائمة وتوقف القناة المائية المدمرة للأرض الفلسطينية، كما على مصر توضيح موقفها من المختطفين الأربعة الذين تم اختطافهم من على الأرض المصرية وفي ظل حماية الأمن والجيش المصري، كما أن مصر هي الأقدر والأجدر على لم الشعث الفلسطيني في إطار مصالحة فلسطينية فلسطينية ليتوحد الشعب الفلسطيني ولينبذ الخلاف والانقسام، لذلك على أهل القرار في الجانبين مسؤولية عظيمة أهمها أن تبقى مباحثاتهم بعيدة عن الإعلام حتى يتم نضوجها وتسويتها دون تدخلات خارجية أو تأثيرات من هنا وهناك قد تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، كما مطلوب من الإعلاميين والمحللين والكتاب من الجانبين المصري والفلسطيني أن يتحملوا مسؤولياتهم نحو شعوبهم وأمتهم العربية في ظل هذا البحر المتلاطم الأمواج، ولا بد من أن تنأى منطقتنا عن حروب الاستنزاف المستعرة بين الدول العربية، فنحن أمة واحدة ولغة واحدة ومصير مشترك واحد.