السرج الخافتة

نشر 15 مارس 2016 | 10:01

يعمد معظم البشر الى اطفاء الأضواء عند النوم؛ لاستجلاب شيء من سكون الليل وسكينة النوم، مختلفون نحن في هذه الممارسة الطبيعية الفطرية؛ فمنا من يستجلبها بسهولة كطفل ما زال ينام في حضن أمه، ومن البشر من يشتري النوم بالمال؛ أملا أن يغمض له جفن ولا يغمض، فلا بد أن لخفة القلب من الهموم والذنوب صلة في سرعة الولوج الى عالم الراحة، ألم يدخل الجنة رجل من صحابة النبي كان يصفي صدره من الأضغان والأدران قبل النوم؟

ربما نطفئ الأضواء فيظن المشاهدون أننا سكنّا لنضيء في ذات الوقت سراجا خافتا لا يعلم عنه إلا من أوقد شعلته في قلوبنا، وتختلف السرج واضاءاتها باختلاف أحوال أصحابها؛ فمنهم من يوقد سراج أمل يؤمله بغد أجمل، ومنهم من يوقد سراج ألم لفقد يرجو به جبرا، ومنهم من يوقد سراج حاجة يتعجل لها قضاء، ومنهم من يوقد سراج سؤال يبتغي به جوابا، ومنهم من يشتعل سراج قلبه احتراقا بمظلمة تخترق عنان السماء.

ننام ملء جفوفنا أحيانا بسلبية ولا مبالاة، وفي عائلاتنا الأقرب وشوارعنا وحاراتنا، والألصق من أصدقائنا ومعارفنا قلوب لا تنام، بل تنتظر غفلة الأعين لتستيقظ آلامها وآمالها في مناجاة على أنوار القلوب، كم نمنا ويتيم يفتح عينيه على اتساعها حالما بدفء وكفاية وحنان؟!

كم نمنا وفي بيوتنا عزباوات قد أحرزن التفوق والمجد، ولكن في القلب فجوة فطرية لا يملؤها الا رجل بالمودة والرحمة؟ كم كان آخر دعائنا بهدوء الليل، وكان دعائهن «رب لا تذرني فردا»، لا خوفاً من مجتمع، او هرباً من قدر، ولكن اكتمالا لنقص ركبه الله في نفوس البشر، فلا يكمل الرجل إلا بأنثى، ولا تكمل هي الا به.

كم نمنا وأرامل يحملن هَمَّ الغد، وهذه طبيعة البشر لا ضعف في الإيمان، يفكرن في مشوار طويل متعب سيمشينه وحيدات إلا من رفقة رب العزة الذي أمر في حديث رسوله بالسعي على الارملة والمسكين، وهو سبحانه أول الكافلين وأعظمهم؟

كم نمنا وعاقر تضع يدها على بطنها تستغيث بالذي خلق رحمها أن يبث فيه حياة تحييه وتحييها؟

كم نمنا وفقراء تبقيهم جوعتهم أيقاظا يحلمون بالشبع، وعدم الشعور مجددا بعضة الجوع؟!

كم نمنا وشهيد حي قد ضاقت به دنيانا وضاق بخذلاننا وتفريطنا، فأسرج قلبه بدعاء الاصطفاء والاخلاص؟

كم نمنا ومظلوم تضج بشكواه الأرض والسماء، ولا ناصر من العباد الذين استخلفهم الله في أرضه، وأشركهم في ملكه؟

كم نمنا وعاجز ومريض يناجي ربه أن يقيض له عوناً من البشر يعينه، ويقويه في ضعفه؟

نمنا وننام وسننام، وبقي قلب المصطفى يقظاً فكيف ينام، وفي أمته مؤرقون من ألم ووجع وحاجة؟ مارس النوم ببشريته قدرا لا خيار فيه، ولكن ظل قلبه وجلا راجيا داعيا «يا رب أمتى يا رب أمتي».

نمنا وننام وسننام، ولكن يستيقظ قلب ليعس في الليل المظلم كقلب عمر، استنار قلبه فاستيقظ ضميره فاستفاق جسده فلم يعد يستطيع النوم، وفي الأمة كل هذه السرج الخافتة، تدعو الله أن يمن عليها بحاجاتها علها تجد نوما وسكينة.

إن أطفأتَ أضواؤك فلا تطفئ أنوارك، وان نامت عينك، فلا يغفلن قلبك، فبعض البيوت مطفأة الأضواء في الظاهر، وسرج قلوب أهلها منيرة بدعاء او حاجة لا يراها في عتمة الليل إلا من استنار وجدانه، وتحرك قلبه وجسده، فمشى في حاجات الخلق يطفئ سُرُج القلوب، ليريح الأجسام من أثقالها، والأرواح من عنائها.