يتفقُ كل مجتمعٍ من المجتمعات الإنسانية على اختيار أوقات ومواعيدٍ خاصة بهم لملاقاة بعضهم البعض وتناقل الهموم والمشاكل بهدف البحث عن حلولٍ جوهرية لها، ولما جاء الحبيب محمد “صلى الله عليه وسلم” للبشرية برسالته الخالدة، حمل تفاصيل مختلفة تحدد لكل من ارتضى أن يستظل بظلال لواء الإسلام، بعضاً من المؤتمرات الكبيرة التي تجمع ملايين البشر في أوقات محددة لتبادل الأفكار والتجارب والنصائح التي تدفعهم فور انفضاض تلك التجمعات لاختيار أسلوب ينهض بهم ويُصوب المسار الذي ألفوه لفترات قد تصل لسنوات.
على مر التاريخ كان للمسلمين العديد من المؤتمرات، بين ما هو سنوي كموسم الحج وشهر رمضان المبارك والعيدين الأضحى والمبارك، ومنها ما يتكرر أسبوعياً في يوم الجمعة، وهو مؤتمر مهم وعليه جاء التفصيل من رب العزة جل جلاله له حينما اختص بهذا اليوم سورة من القرآن الكريم أسماها “الجمعة”، وهي تسميةٌ من رب البشر يمكنننا من خلالها إدراك الأهمية الكبيرة لهذا اليوم وما يجب أن يكون فيه؛ لتنطلق الأمة بفوائد جمة بعد الانتهاء من مشاركتها في شعائر هذا اليوم لتقوم بتغيير حالها لأفضل منه.1
ما من شكٍ فإن آلاف المسلمين لا يدخلون بيوت الله تبارك وتعالى إلا في يوم الجمعة، بل إن بعضهم يصل المسجد في الوقت الأخير من الخطبة لإسقاطه الفريضة على اعتقاد منه بعدم أهميتها، وبعضهم يقضي دقائق الخطبة وقد ارتفع شخيره دون أن يستيقظ إلا بإقامة الصلاة. البعض الذي يكون شارد الذهن خلال الصلاة ما من شكٍ أنه يتحمل وزر ذلك، غير أنه ليس الوحيد، فخطيب الجمعة يحمل أكثر منه أضعافاً مضاعفة، وإلا فلماذا في بعض الخُطب وفور انهاء الخطيب لصلاته يتقدم الكثير من المصلين نحوه مصافحين إياه بحرارة وداعين له الله بالتوفيق لما سمعوا منه العبر والدروس التي اشتاقوا لها منذ فترة طويلة، بينما لا يفعلون ذلك مع غالبية الخطباء.
الواقع الذي نعيشه على الصعيد الإسلامي والفلسطيني بخاصة يضع على كاهل وزارة الأوقاف مسئولية عظيمة لاستغلال هذا المؤتمر الأسبوعي على الوجه الأمثل، فأي محاباة في اختيار الخطباء لن تؤدي إلى النتائج المرجوة من مناسبة لا ينبغي إضاعة أي دقيقة منها دون إحداث أثر على مجتمعنا الفلسطيني الذي تحيط به المآسي من كل جانب ويحتاج للتثبيت وتمتين جبهته الداخلية الإيمانية في كل وقت وحين.
وحتى نصل إلى الحل، فإني أضع بين أيديكم خطوات أعتقد بأهميتها لإعادة الاعتبار لخطيب الجمعة في بلادنا، ويمكن حصرها في التالي:
1- منع الحديث في السياسة بالمطلق من قبل خطباء الجمعة والتركيز على قصص السابقين وبخاصة الصحيحة منها، والأسلوب القصصي تميل لسماعه النفس البشرية أكثر من غيره.
2- التأكيد والتنبيه على ضرورة التحضير من قبل الخطباء وبخاصة قبل وقتٍ كافٍ من الخطبة، فالخطيب الذي يأتي بلا تحضير سيتحدث المصلون في ظهره كلاماً كثيرا لا يليق به.
3- عدم الحديث بالمطلق عن الأخبار التي تجري على الساحة الداخلية أو غيرها، وعلى الخطيب أن يُدرك بأن التكنولوجيا تطورت عما كانت عليه قبل عقود من الزمن، وبات أصغر طفل يعرف أخبار الدنيا ولا يحتاج إلى سماع نشرة أخبار مُعادة من طرفك عزيزي خطيب الجمعة، وإنما هو يحتاج لشُحنة ايمانية أسبوعية تُبقيه على اتصال مع خالقه حتى الجمعة التالية.
4- إن رفع الصوت المبالغ فيه والصياح من قبل الخطيب لن يُوصل رسالة، وإنما سيؤدي لنفور المصلين وتصديع رؤوسهم، وقال بعض الحكماء “إن رأيتُ أحدهم يرفعُ صوته، فأدرك أن حجته ضعيفة”، وأنا لا أتمنى أن يكون خطيب الجمعة كذلك.
5- إن منبر الجمعة له هيبته واحترامه، وينبغي على من يصعد درجاته الثلاثة أن يمتلك قدراً كافياً من العلم الشرعي والديني الذي يؤهله لأن يكون موجها لمئات وآلاف المصلين، فلا يُمكن بأي حالٍ من الأحوال اقناع نفسي بخطبة يلقيها رجلٌ يحمل شهادة الدكتوراه في الإدارة ويخصص خطبته عن التنمية البشرية دون أن يذكر فيها آية قرآنية أو حديثاً نبوياً شريفا.
6- عبر عصور الزمان لم يكن يُشترط بأن يكون كل من يحمل شهادة علمية مرتفعة هو الخطيب الذي لا يجب أن يُقدم عليه أحد، فهذه معلومة مجروحٌ في صحتها، خاصة ونحن نرى بأن الكثير من حملة الشهادات العُليا لا يمكن أن يكونوا خطباء وموجهين للناس، وهناك من لا يحملون شهادات عُليا ويؤثرون في الناس أكثر من بعض أصحاب الشهادات العُليا، وهذا ليس قدحاً بقدر ما هو قرعٌ للجرس من جانبي لتصحيح المسار.
7- الخطباء في المساجد الكبيرة يجب أن يتم اختيارهم بعناية بالغة تختلف عن المساجد صغيرة الحجم، فالعدد يجب أن يجعلنا كـ” وزارة أوقاف” نولي المساجد ذات المساحة الأكبر الأهمية الأكثر.
إن منبر الجمعة في بلادنا بحاجة لمبضع مسئول يقوم بإزالة أورام علقت به على مدار سنوات، ومن يحمل تلك الأداة التي يعتمد عليها الطبيب الجراح بهدف إشفاء أجسام المرضى حتما سيُواجه بسيلٍ من الانتقادات، خاصة وأن بعض الخطباء يستهويهم الظهور أمام الناس ولا يمكن أن يغادروا هذا المكان بسهولة، غير أن الأهمية والدور البارز لمنبر الجمعة يدفعنا كمسئولين إلى ضرورة إعادة الهيبة له حتى يحقق الأثر المنشود، ويقوم بإشفاء المسلمين من أمراض أخلاقية وسلوكية باتت تهدد نسيجهم الاجتماعي وأخلاقهم الأصيلة.