يبدو المشهد السوري مع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة لاندلاع الثورة ضبابيا إلى حد كبير، فالمعارضة السورية سياسيا أصبحت واجهاتها كثيرة بدءا من المجلس الوطني إلى ائتلاف قوى الثورة والمعارضة وأخيرا إلى الهيئة العليا للمفاوضات، أما على صعيد الوضع العسكري فقد أدى التدخل الروسي إلى تراجع سيطرة المعارضة المسلحة على بعض النقاط والمواقع الاستراتيجية التي كانت تحكم قبضتها عليها مما قوى شوكة النظام وبعدما كان الأسد ونظامه في عداد الموتى عادت الروح إليهم من جديد، وبدلا من الحديث عن رحيل الأسد أصبح الحديث عن شراكة الأسد ثم رحيله بعد ذلك.
أما الدويلة الكردية التي يسعى الأكراد لإقامتها في شمال سوريا والتي هي حلمهم القديم لتكون بداية للدولة الكردية الكبري التي تضم أكراد سوريا والعراق وإيران وتركيا فقد أصبحت شبه واقع بعد التواصل والدعم الأميركي والأوروبي لهم رغم الاعتراضات التركية، وليس هذا هو التحدي الوحيد أمام تركيا بل إن التحديات أمام تركيا أكبر من ذلك بكثير وتتجاوز مطامع الأكراد وتهديدهم لجنوب تركيا من خلال الدويلة التي أقاموها شمال سوريا إلى محاولاتهم الدؤوبة قطع طرق الإمداد التي تصل بين المناطق التي يسيطر عليها ثوار حلب وطرق الدعم والإمداد والتواصل عبر تركيا، كما أن تحدي وجود ما يقرب من ثلاثة ملايين سوري لاجئين داخل تركيا يمثل عبئا كبيرا لم تستطع أوروبا أن تتحمل جزءا بسيطا منه.
الأمر الأخطر في كل ما يجري هو الأطروحات التي أصبح الروس يطرحونها مع الدعم الإيراني والحلم الكردي وهو تمزيق سوريا إلى كنتونات من خلال الأمر الواقع الذي فرضته الحرب، وهذا يعني باختصار صوملة سوريا وتمزيقها إلى دويلات لا تعرف الاستقرار أو الحدود وإنما تكون كنتونات متحركة حسب قوة الأطراف وقدرتها على السيطرة على ما تستطيع لأن كميات السلاح الموجودة داخل سوريا الآن تعني أن الحرب لن تنتهي ولو بعد سنوات، وهو نفس المشروع الأفغاني والعراقي ولكن بشكل يتناسب مع سوريا وطبيعتها العرقية والجغرافية، والسؤال الذي يطرح بقوة هو: ماهي الإمكانات التي تملكها الهيئة العليا للمفاوضات على الأرض وما الذي تستطيع أن تفرضه من حلول على قوى عسكرية ليس لها عليها سلطان داخل سوريا.
الأمر الآخر الذي استجد في المشهد السوري هو أن الثورة عادت تتنفس من جديد من خلال الهدنة التي أعلنت والتي تخترقها الطائرات الروسية بشكل يومي فالشعب السوري لا يزال حيا وهذا هو الأمل الذي يؤكد أن كل ما يجري خارج سوريا من الصعب أن يفرض على داخلها إلا إذا قبله هذا الداخل وهؤلاء الذين يرفضون مغادرة سوريا منذ خمس سنوات هم الذين سوف يقررون مصيرها ومستقبلها.