بينما كان وفد رفيع المستوى من قيادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” يضع اللمسات الأخيرة لجولة خارجية تستهدف العديد من العواصم والبلدان وأبرزها الجارة لقطاع غزة المحاصر “مصر”، والتخطيط كان يهدف لأن تكون أطول فترة على أراضيها لمناقشة العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك ووضع مختلف الملفات الشائكة بين الطرفين على طاولة الحوار بدلاً من تقاذفها عبر وسائل الإعلام، خرج المؤتمر الصحفي لوزير الداخلية المصري اللواء مجدي عبد الغفار ليتهم الحركة بالتورط في اغتيال النائب العام المصري هشام بركات قبل نحو العام، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام القذارة التي قذف بها الإعلام المصري من جديد تجاه غزة، ونسف كل الجهود التي سعى لها أرفع وفد من الحركة وكان سيقوم بها ومهد لها عبر الإيعاز لأبنائه وكوادره بتخفيف حدة الرد على الشتائم التي يُكيلها الإعلام المصري بحق غزة على مدار الساعة، غير أن مؤتمر الداخلية المصرية قلب الأمور رأساً على عقب.1
المؤتمر الذي جاء مفاجئاً من قبل الداخلية المصرية لا بُد أنه مجرد أسلوب لإفشال الزيارة أو على الأقل إخراجها من مضمونها وابتزاز أصحابها، فالجميع يُدرك بأن كل الاتهامات التي يسوقها النظام المصري ووسائل إعلامه المختلفة حول تورط الحركة بأحداث داخلية مصرية لا يوجد له أي دليل ملموس على أرض الواقع، وإنما هي لأهداف مختلفة يسعى النظام المصري وحلفائه لتحقيقها. كما أن قضية النائب العام المصري أعلنت الداخلية المصرية اتهام أكثر من ست جهات بالتورط في هذه القضية، وكل جهة تختلف عن الأخرى، وبالتالي فاتهام “حماس” هذه المرة يهدف لمسائل أخرى.
التوقيت في شكل الهجوم السياسي والإعلامي المصري على حركة “حماس” هذه المرة تحديدا يشتمل على الكثير من المعلومات والأهداف التي لا يجرؤ الجانب المصري وأطراف أخرى حليفة معه على الإعلان عنها، على الأقل في الوقت الراهن، غير أن قراءة المشهد السياسي للمنطقة يجعل من الأهداف الخفية واضحةً أمام المتابع وإن أرادت أطراف أخرى طمسها عن المواطن العربي، ويمكن حصر تلك القضايا في التالي:
1- مصر تعيش أسوأ ظروفها الداخلية من عدة محاور، فالوضع الاقتصادي هو الأسوأ منذ عقود من الزمن، بل وفي يوم اتهام حركة “حماس” وصل الجنيه المصري لأكثر من عشرة جنيهات مقابل الدولار الأمريكي، في أدنى انخفاض له وأكثر تهديد اقتصادي يواجه القاهرة، كما أن الحالة الأمنية التي تعيشها القاهرة في سيناء وزيادة الغضب الشعبي المصري الداخلي دفع القاهرة لتصدير أزماتها نحو الخارج في محاولة لحشد المواطن المصري لمواجهة عدوٍ وهمي متمثل في غزة بدلاً من الالتفات للمشاكل الداخلية المتفاقمة.
2- تملكت السلطات المصرية الخشية من لقاء قيادة حركة “حماس” ومطالبتها إياها بتحسين الصورة معها، فاستبقت الزيارة بالهجوم الكبير على الحركة، وهو هجوم تسعى من خلاله السلطات المصرية لابتزاز الحركة وانتزاع مواقف سياسية منها على حساب الأيدولوجية التي تؤمن بها الحركة على مدار عقود من الزمن، بل ومن الأهم الضغط على الحركة في مسألة ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين.
3- أهداف الهجوم المصري على حركة “حماس” في الوقت الراهن ليست مصرية بحتة، بل وهناك السلطة الفلسطينية التي تعرضت لضربات سياسية كبيرة خلال الفترة الأخيرة، فهي التي تنصلت من الرد على ورقة تفاهمات الدوحة مع حركة “حماس”، كما خرج العديد من قادة حركة “فتح” وتحدثوا عن دورهم في استمرار حصار قطاع غزة والتضييق على مواطنيه الأمر الذي أظهرهم بمشهد الخونة والعملاء وليس الباحثين عن حلول لأزمات القطاع كما روجوا في أوقات سابقة، والسلطة الفلسطينية تورطت بمسألة اعدام المناضل الفلسطيني عمر النايف داخل السفارة الفلسطينية في بلغاريا، وهم كذلك الذين حشرهم آلاف المعلمين في الزاوية مع استمرار اضرابهم مطالبةً بتحقيق مطالبهم وفشل كل مساعي كسر الإضراب “سواء بالقوة أو بالسياسة” مع ما يتمخض عن ذلك بتهديد الحياة التعليمية الفلسطينية وفشل الفصل الدراسي على آلاف الطلبة، أما الأزمة الأهم للسلطة الفلسطينية فهي ما يتمثل باشتداد حدة انتفاضة القدس، في تهديد واضح لوجود السلطة الفلسطينية. ولأسباب أخرى، فإن السلطة الفلسطينية تنسق باستمرار الجهود مع مصر لمهاجمة “حماس” وحرف انشغال الرأي العام الفلسطيني عن الحديث في المسائل سابقة الذكر نحو رد الاتهامات التي وجهتها مصر وسكبت حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية البنزين عليها، وهو ما ظهر بتوازي الهجوم الفتحاوي لقيادات مختلفة مع الاتهامات المصرية.
4- لا يغيب عن البال التنسيق الذي يتم بين العديد من العواصم العربية وبخاصة السُنية منها مع مصر، فهناك عدة دول عربية وبخاصة في منطقة الخليج كانت ستُصاب بالحرج الشديد إن قامت قيادة حركة “حماس” بزيارتها وناقشت معها الملفات المختلفة فوق الطاولة، فتلك الدول تُدرك بأن حديثها المستميت عن قيادة المحور السُني سيكون بلا معنى في ظل محاربتها لأكبر تنظيم سُني فلسطيني طالب على مدار عقود مختلفة بدعم القضية الفلسطينية من باب واجب تلك الأنظمة، ولكن دون جدوى، فالخطوة الأفضل من تلك الأنظمة تمثلت بعدم الجلوس مع “حماس” على الأقل في الوقت الراهن؛ لأن مجرد الجلوس أو عدمه سيكلف تلك الأنظمة الكثير، والخطوة الأفضل هي قتل الزيارة في مهدها، فتكلفت القاهرة بقيادة المهمة.
5- أصابع الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن تكون بمنأى عن أي هجوم قد تتعرض له حركة “حماس” وبخاصة من قبل أنظمة عربية مختلفة تتصل معه من خلال جهاز كمبيوتر واحد، واستفادة الاحتلال تنحصر في كونه يلجأ لخلق ودعم كل اشكالية من شأنها حرف الأنظار والحوارات عما يجري داخل كيانه، وبخاصة تصاعد عمليات الطعن والدهس من فلسطينيين للجنود والمستوطنين الإسرائيليين، في مشهد جعل “أقوى رابع جيش في العالم” يقف على رجلٍ واحدة دون أن يتمكن من وقف انتفاضة أنفق في سبيل قتلها برعاية حلفائها الملايين من أموالهم والأوقات الثمينة من جهودهم.
صحيحٌ أن مصر وأطراف مختلفة تشن الهجوم تلو الآخر على حركة “حماس”، وصحيحٌ بأن الحركة تتعامل باستمرار مع تلك الاتهامات والتحرشات بكل برودة أعصاب، غير أن الجهة الخاسرة من أي هجوم قد يستهدف المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها الحركة الأكبر فلسطينياً “حماس” لن يكون إلا مصر ومصر وحدها، فهي التي تعيش أزمةً تُدرك أن الكثير من خيوط حلها بيد “حماس” وحماس وحدها، فإن أرادوا الحل للكثير من المشاكل الداخلية المصرية فعليهم بـ” حماس” إن كانوا يعقلون ويرغبون باختصار تدهور أوضاعهم الاقتصادية وغيرها.