صناعةُ القادة

نشر 07 مارس 2016 | 03:10

صدماتٌ من الإحباط بتنا نتلقاها في كل يوم بعد الولوج عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو حضور ندوة لتدارس قضايا الواقع العربي الأليم، والمحفزُ للإحباط يحرك النفس العربية حينما يتحدث أحدهم عن نماذج القيادة يوم أن كان للدولة الإسلامية مكان الريادة والقيادة، فالحديث عن عدل الفاروق عمر وحزم صلاح الدين وقوة خالد بن الوليد، أصبح يدفعُ الواحد فينا للإحباط بدلاً من محاولة تغيير الواقع والعودة مرةً أخرى إلى سُلم الريادة، وبخاصة حين المقارنة بين واقعنا الذي كان والحالة التي نعيشها اليوم، وهي مقارنة لن نخرج بنتيجة من ورائها إلا لوم أنفسنا وتوبيخها بسؤالنا المتكرر: ألا يوجد فينا عمر أو صلاح الدين لهذا الزمان يُخرجنا مما نحنُ فيه؟.

 

أتذكرُ جيداً أنني تشرفتُ في العام 2012م بمغادرة غزة مسافراً صوب الجمهورية التركية ضمن وفد شبابي، وعلى مدار ستة أيام قابلتُ العديد من الأتراك المثقفين والكوادر الشبابية وكبار السن، وكنتُ معنياً بالاطلاع على التجربة التركية ومحاولة فهم الأسباب التي أوصلتها لهذه الدرجة من منافسة الكبار بعدما كانت لعقود من الزمن تعاني ازدحام المواصلات وانتشار النفايات، بل وعدم وصول المياه لبيوت أهالي مدينة اسطنبول رغم وفرتها في تلك الجمهورية مترامية الأطراف.1

 

زالت الغرابة عني حينما التقيت بأحد كوادر حزب العدالة والتنمية “الحزب الحاكم هناك منذ سنوات وله تُنسب النهضة الحديثة للجمهورية التركية”، ودار خلال اللقاء بيننا حوار تركز على أساليب تعاملهم مع الكفاءات والنُخب المختلفة. سألته: فيما لو قضى “رجب طيب أردوغان” وكان يشغل رئاسة الوزراء آنذاك، باستهداف أو وفاة طبيعية هل تمتلكون خليفة له؟.

 

هز رأسه وابتسم بخفة وأجابني بكل ثقة: نحن عندنا في حزب العدالة والتنمية قادة بالمئات على استعداد لأن تخلف “أردوغان” لو حدث طارئ الآنوليس غداً، بل عندنا من مختلف الأعمار لهذه المهمة… لدينا قادة يبلغون من العمر 20 عاما وثلاثين وأربعين وغير ذلك.

 

بكل تأكيد هذه الإجابة لم تكن من باب الترويج للحزب الحاكم، فالشخص “الكادر” في ذلك الحزب كان عمره حينها تسعة عشر عاماً فقط، وفي اليوم التالي صحبنا لأكاديمية إعداد القادة التابعة للحزب، التي يتم فيها صناعة القادة بعد اكتشافهم في السنوات الأولى من عمرهم، حيث يخضعون لبرامج تطوير وتعليم وتربية تجعلهم قادة في أماكنهم على مدار سنوات عمرهم المختلفة. حينما رأيت هذه الحقائق بعيني أصابتني حالة من الإحباط للحالة التي نحياها، ففي الوطن العربي القائد يجب أن يتخطى عمره الخمسين عاماً، أما عنصر الشباب الذي يمتلك العنفوان والقوة والدفع أكثر من غيره، فيجب أن يصل لمرحلة الشيخوخة حتى يشق طريق القيادة، وحينها نبدأ بالعويل لأن ذلك القائد غير مؤهل بحكم السن وظروفه، أو لعدم دمجه في العمل بينما كان فتى صغيراً.

 

فيما يتعلق بصناعة القادة، فقد انقسم المتخصصون بين قائل بأن القيادة موهبة وبين ذاهبٍ إلى أنها تعليم، غير أنهم اتفقوا على أن الرعاية والتعليم تعتبر العامل الأهم في تصدير أي قائد قادر على خدمة والنهوض وتطوير مجتمعه وبلده، وقول خاتم الأنبياء والمرسلين محمد “صلى الله عليه وسلم” في هذا السياق يدلل على ذلك: “إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه”، بل إن عالم الإدارة الشهير “بيتر دراكر” أكد على نظرية “صناعة القادة”، فقال: “لم يولد أيُّ إنسان كقائد: القيادة ليست مبرمجة في الجينات الوراثية، ولا يوجد إنسان مركب داخليًّا كقائد”.

 

إن من أهم أساليب صناعة القادة، تلك التي تعتمد على “نموذج القدوة” الذي من خلاله يستطيع الجيل الناشئ اتخاذ نموذج له من قادة عصره ومحاولة السير على نهجهم، غير أن هذا الأسلوب سيعتريه الفشل إن كانت القدوات الموجودة في ذلك البلد مخدوشة ولا تصلح لأن تكون في هذا المكان.

 

أما الأسلوب الثاني فهو الذي يعتمد على “نموذج الممارسة”، ومن خلاله تدفع الدول والبلدان المختلفة العناصر التي تلتمس فيها المقدرة الإدارية “بعد تدريبها” لميدان العمل، بل واختبار ذلك النوع من المبدعين في مواجهة أزمة أو مشكلة ما، وفي هذا النوع من صناعة القادة يراقب الكبار “القائد الناشئ” ويتابعون مواجهته للأمواج من حوله، فإن وجدوه أوشك على الغرق دفعوا بحبل له يجعله على قيد وليس هدفه إخراجه من دوامة تلك الأزمات التي يعتمدها الكثير من الخبراء كأسلوب لصناعة القادة.

 

في مجتمعاتنا العربية لن نتمكن من صناعة القادة ما دام القادة الكبار يتصدرون المشهد باستمرار دون أن يقدموا الرعاية والتدريب والتثقيف للمبدعين الناشئين في بلادهم، حتى يكونوا قادة المستقبل، وهو أسلوب يلجأ له الكثير من المسئولين خشية مزاحمتهم على درجات السلم القيادي من قبل جيل الشباب ذات يوم، وبذلك فهم بإجرائهم هذا يحكمون على البلد الذي يعيشون فيه أن يتحرك بحركة ذلك القائد حتى تشيخ البلد بشيخوخة المسئول فيها، دون أن تتمتع بعنفوان الشباب خلال مراحل تاريخها المختلفة.

 

إن الكثير من مجتمعاتنا تقرأ التاريخ جيداً، وتمر على حكاية تكليف الرسول “صلى الله عليه وسلم” للشاب أسامة بن زيد لقيادة جيش يبعد عن مركز الدولة الإسلامية مسافات بعيدة، كما يتصفحون في كُتب التاريخ إصرار إنفاذ خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم “أبو بكر الصديق” لجيشه رغم الابتلاءات التي أعقبت وفاة النبي. ليس هذا النموذج الوحيد، بل هناك قادة من العنصر الشاب تمكنوا من نقش أسمائهم في لوحات الشرف عبر التاريخ ولا يتسع المجال لحصرهم في هذه السطور المعدودة.

 

الأهم في هذا الجانب أننا إن كُنا نسعى لنهضة بلداننا فيجب أن نقف مع ذواتنا قليلاً لمعرفة خططنا للاهتمام بالمبدعين ومن يمتلكون جينات القيادة والريادة، وبعد الوصول لتلك النماذج نقوم بإنفاق المال عليها وإعدادها ليوم نسعى أن يكون قريبا، ونظرتنا للنهوض بهذا الجانب ستنجح إن كانت عيوننا ترنو ليوم تكتحل بنهضة بلادنا قبل أن تزدري كل شاب نراه قد ينزع مقاعدنا من تحتنا، فتلك المقاعد لم تُصنع ليبقى عليها الشخص حتى انتقاله للقبر، وإنما يتبدل الجالس عليها حسب مصلحة الوطن.