المشترك وإدارة الخلافات

نشر 06 مارس 2016 | 09:55

لا يخفى على متابع حجم الخلاف السياسي بين طهران وأنقرة في الملف السوري. جميعنا يعلم أن مستشارين وضباطًا إيرانيين يقاتلون إلى جانب النظام السوري، وأن طهران تمد النظام بالمال والسلاح والأكسجين ليبقى حيًا، وكلنا يعلم أنه من دون إيران وحزب الله ثم روسيا يسقط النظام.

 

وفي المقابل الجميع يعلم أن تركيا تقف إلى جانب المعارضة السورية، وأنها ترفض التدخل الإيراني والروسي في القتال إلى جانب النظام، وقد دعت تركيا إلى إنشاء منطقة عازلة، وإلى رحيل الأسد. ونعلم أيضا أن تركيا تقيم تحالفا الآن مع المملكة السعودية، بينما تعادي السعودية التدخلات الإيرانية.

 

كل هذه المعلومات المتقابلة والمتضادة معلومة، ولكن ما يلزم التنبيه له هو أن المساحات المشتركة بين تركيا وإيران ربما تكون أوسع من المساحات المغلقة. المساحات المشتركة في السياسة الإقليمية والدولية واسعة، ومنها على سبيل المثال أن الدولتين ترفضان قيام دولة كردية مستقلة تجمع الأكراد الذين يتوزعون على أربع دول في مناطق حدودية مشتركة هي العراق وإيران وتركيا وسوريا، لأن قيام دولة تركية مستقلة هو بداية عملية لإعادة تقسيم المنطقة، والدولتان ترفضان إعادة التقسيم. ثم إن المساحة المشتركة على المستوى الاقتصادي أوسع حجما، فحجم التبادل التجاري بين الدولتين قد يصل إلى (30) مليار دولار، لا سيما بعد رفع العقوبات الدولية عن إيران.

 

صحيح أن حروبا تاريخية طويلة وقاسية تقف في خلفية العلاقات التركية الإيرانية، ولكن هذه العُقَد التاريخية لا يمكن أن تكون جزءا جيدا من أدوات بناء العلاقات الحديثة التي تقوم على المصالح رغم الخلافات التاريخية، ورغم الخلافات السياسية الحالية. ومن هذا المنطلق الحديث قام أحمد داود أوغلو بزيارة طهران أمس السبت ٥/٣/٢٠١٦م، رغم الخلاف مع إيران في الملف السوري، ورغم تقارب تركيا مع السعودية في الملفين السوري واليمني.

 

السياسة التركية الحديثة براغماتية، والسياسة الإيرانية براغماتية كذلك، لذا يمكن أن يلتقي الطرفان للبحث في نقاط مشتركة مثل رفض قيام دولة كردية وآلية مواجهتها، ومثل تعميق التبادل التجاري، ومثل تبادل الزيارات السياحية.

 

يقول أحمد داود أغلو: إن إيران وتركيا تربطهما علاقات ممتازة في مختلف المجالات، ويقول نائب الرئيس الإيراني: إن استمرار المباحثات والمشاورات بين مسئولي البلدين مؤثر جدًا في تنمية العلاقات بين طهران وإيران. أي أن كلا الرجلين يعزف على الوتر نفسه. هذا العزف أمر منطقي في السياسة التي لا تعرف الجمود والتحجر، فالطرفان يبحثان عن استقرار المنطقة، لأن غياب الاستقرار قد يهدد المنطقة وجغرافيتها بإعادة التقسيم والتجزئة، ويثير مشاكل تاريخية قديمة.

 

يقول نائب الرئيس الإيراني: "إننا عازمون على إدارة الخلافات بيننا بما يخدم استقرار المنطقة"، كانت هذه العبارة جزءا من استراتيجية المباحثات الأخيرة. العبارة تؤكد الخلافات، ولا تقفز عنها، ولكنها تدعو إلى بناء إدارة متوازنة للخلافات بين الطرفين في سوريا والعراق والعلاقات مع الخليج إن أمكن، وفي القضية التركية هو ممكن من وجهة نظر الطرفين، بما لا يسمح للخلافات أن تتفجر وأن تتحول إلى حروب عسكرية.

 

ما أود قوله هنا إننا في حاجة إلى أن نمارس عربيًا، وفلسطينيًا أيضًا، السياسة نفسها في إدارة الخلافات، بما يسمح باستقرار بلادنا العربية، ويوسع المساحات المشتركة بيننا كفلسطينيين.