قررتُ هذه الليلة المكوث في مجمع الشفاء الطبي حتى أكون قريباً من الأحداث ونقل معاناة ومشاعر المستهدفين بصواريخ الاحتلال الإسرائيلي، وبعدما جلستُ حينما سيطر بعض الهدوء على أجواء قطاع غزة، تواصلت مع المسئولين عني في العمل لدراسة العديد من الأمور المتعلقة بالتغطية الإعلامية وسُبل مواجهة الحرب النفسية التي يعمل الاحتلال الإسرائيلي جاهداً على ترويجها، وخلال التواصل مع مدير المؤسسة تم الاتفاق على تصحيح بعض المصطلحات الإعلامية التي كُنا نستخدمها خلال العدوان، فقد اخترنا مصطلح استهداف أراضٍ زراعية بدلاً من مصطلح أراضٍ فارغة التي عمل الاحتلال جاهداً على تعزيزها في صفوف الجمهور العالمي وتعزيز مبدأ أنه احتل أرض فلسطين كونها أرض خالية، بينما الواقع يقول بأن فلسطين كلها أرض مفلوحة ومزروعة وليست خالية.
وبعد أيام على العدوان أعلنت وسائل الإعلام بعد منتصف الليل بقليل، أن مجلس الأمن الدولي سيجتمع صباحاً لبحث العمليات العسكرية المتصاعدة بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، بدعوة من المجموعة العربية في الأمم المتحدة لعقد الاجتماع. حينما تم الإعلان عن الخبر أصابني الغضب الشديد، وبدأت أسأل نفسي: هل احتاجت الدول العربية كل هذه الأيام حتى تتحرك؟ ولماذا تحركوا عبر مجلس الأمن وليس عبر دولهم؟ ثم هل تحركهم نابع من البحث عن حلول للشعب الفلسطيني المذبوح أم هي لأجل عيون "بنيامين نتنياهو" الذي استغاث بكل حلفائه لوقف قصف المقاومة "تل أبيب" وحيفا وغيرها؟. هي أسئلةٌ أطلقتها في مخيلتي، لكني لم أجد إجابات واضحة عليها، ويبدو بأني لن أجد.
وبدون مقدمات، بدأ جوالي بالرنين لأشاهد اسم زوجتي على الجانب الآخر، أمسكت به لكني سألت الله أن يحمل الاتصال كل خير، فعائلتي رفضت مغادرة البيت خلال العدوان رغم كونه في منطقة متقدمة من حي الزيتون حيث تكرر القصف والاستهداف في محيط منزلنا. ومن خلال الاتصال أخبرتني زوجتي بسماع دوي انفجارات كبيرة في المنطقة، وقد أدخل اتصالها القلق إلى قلبي، لكني طمأنتها بأن الأمور بخير وعليها ألا تقلق نتيجة هذه الانفجارات.
وعلى الفور بدأت بالتواصل لأجد بأن القصف استهدف ثلاثة منازل في المنطقة لا تبعد عنا سوى عشرات الأمتار فقط، وخلف القصف أضراراً كبيرة في المنطقة دون أن يوقع شهداء. لكن عدم وقوع شهداء في منطقتنا لم يوقف الاحتلال الإسرائيلي عن ارتكاب مجزرة في ذات الوقت بحق عائلة الحاج في خانيونس، وما هي إلا لحظات حتى وصلنا خبر ارتقاء الزميلة/ أسماء الحاج لتقضي بصواريخ احتلال لم يفلح في الوصول إلى العسكري والمقاوم، فجعل المدنيين والصحفيين ضمن قائمة أهدافه.
أذكرُ جيداً كيف بكى الزملاء في خيمة الصحفيين بمستشفى الشفاء في غزة على ارتقاء زميلة جديدة لهم، وأذكر بأني قلبتُ صفحات الزمن ورجعت للوراء قليلاً حيث كانت الزميلة "أسماء" إحدى المشاركات في برنامج تدريبي إعلامي كنتُ مدرباً فيه، وحين سألتها في إحدى المحاضرات عن الدور الذي ترغب بالخدمة فيه من خلال هذه المهنة، أكدت بأن قضية معاناة الأسرى في سجون الاحتلال تسيطر على جوارحها بالكامل، هي أرادت نقل معاناتهم للعالم، لكن صواريخ الاحتلال كانت الأسبق إليها قبل كشف جرائم "إسرائيل" بحق الأسرى.
مضت ساعات هذه الليلة، ولم تكن مختلفة عن الليالي التي سبقتها، وبعد أن شقت شمس الصباح استيقظنا على حصيلة جديدة لأعداد الذين قضوا أو أصيبوا بفعل العدوان الإسرائيلي، وقد رفع من عددهم استهداف سيارة مدنية في شارع النفق بمدينة غزة ارتقى فيها ثلاثة من المواطنين، وصلوا إلى المستشفى أشلاء ممزقة، وكان من واجبي وصف المشهد للمواطنين دون التأثير على معنوياتهم، وهو أمرٌ قمتُ به بصعوبة بالغة في تلك اللحظة.
حاولتُ الخلود للنوم قليلاً بعد ليالٍ متواصلة من السهر، تمددت على فرشةٍ أعطاني إياها أحد الزملاء لنيل قسط من الراحة، ولم أكد أتمدد حتى قمنا فزعين نتيجة أصوات صواريخ شعرنا أنها قادمة إلينا بشكل مباشر، فقد كان صوتها يخترق الهواء بصفير مرتفع، حينها لم أتحرك من مكاني واكتفيت بالقول: يا الله، أما رفيقي فقد غادر خيمة الصحفيين بعد استيقاظه من نومه فزعاً، وبعد انفجار الصواريخ في مجمع أنصار القريب منا، لاحظت أن ذلك الشاب يحمل مخدته بينما كان هارباً، فمازحته قائلا له: لماذا تحمل المخدة معك؟ انتبه على نفسه فضحكنا جميعاً، وتابعنا عمليات القصف التي تعرض لها مجمع أنصار الحكومي حيث شاهدنا ألسنة الدخان تتصاعد من المكان.
غفوتُ قليلاً في ذلك الصباح، لكنَّي بين الفينة والأخرى كنتُ أستيقظ على أصوات صواريخ تنطلق من قطاع غزة صوب الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما كان يخبرني به زملائي الصحفيين، وبعد وقت قليل استيقظت لأجد بأن المقاومة الفلسطينية حققت إنجازات جديدة في ميدان المعركة، ومنها: قصف كتائب القسام مطار ريمون العسكري لأول مرة بصاروخين من طراز ام 75 والذي يبعد 70 كيلو متر عن غزة، وقصف مدينتي اللد والرملة لأول مرة بعشرة صواريخ من طراز "سجيل 55" والذي يستخدم لأول مرة، وقد أعقب ذلك استنفار في مطار بن غوريون القريب من اللد.
أما الأخبار التي كانت أكثر سعادة على قلوبنا، كوننا نشاهد ونلمس معاناة المصابين وأهالي الشهداء فهي بسماع جرعة من الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام العبرية، والتي ذكرت في نهار ذلك اليوم أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وأعضاء كنيست نزلوا إلى الملاجئ بعد سماع صفارات الإنذار في "تل أبيب"، وأن أحد الصواريخ التي استهدفت من خلالها كتائب القسام مدينة القدس المحتلة سقط بالقرب من منزل وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي المتطرف "أفيغدور ليبرمان".
ومع ساعات عصر ذلك اليوم هاتفني أحد شهود العيان الذين أتواصل معهم بشكل مستمر حول الأحداث الميدانية التي تجري في قطاع غزة، وأخبرني عن استهداف لاثنين من المواطنين على دراجتين ناريتين جنوب مدينة غزة واستشهادهم، فخرجت على الهواء مباشرة وطلبت من سيارات الإسعاف التوجه للمكان لانتشال جثامينهم ووصفت المكان جيداً في اتصال خاص مع ضابط الإسعاف حتى وصل وانتشل الشهداء.
تفاجأت بعد وصول الجثامين أن أحد الشهداء يسكن في المنطقة التي أسكن فيها، وكان واجباً علي إبلاغ عائلته بذلك، لكنها مهمة وجدتُ بأني لا أمتلك القوة على إنجازها، فتواصلت مع أقارب للشهيد ليسوا من الدرجة الأولى وأبلغتهم باستشهاد ابنهم، وبعد دقائق وصلوا إلى ثلاجات الموتى في مجمع الشفاء الطبي، راقبتُ المشهد من بعيد ويكاد قلبي يتوقف عن الخفقان لألم المواطنين الذي شاهدوا ابنهم مقطعاً أشلاء متناثرة بعدما غادرهم لميدان المعركة شاباً يافعا، وبعد رؤية أهله له خرجتُ على الهواء مباشرة لإعلان اسم الشهيد للجمهور بعدما وصل الخبر لعائلته، وقد تأخرتُ في إعلان ذلك حتى لا أشكل صدمة لعائلة الشهيد قبل رؤيته.
ومع مساء ذلك اليوم، كُنا على موعد مع تصريحات لشخصيتين فلسطينيتين، إحداهن شكلت تصريحاتها طعنة في ظهر الشعب والمقاومة الفلسطينية، وأخراهن كانت رافعة صمود وثبات دفعت المواطن الفلسطيني للإصرار على احتضان المقاومة مهما كلفه ذلك من ثمن.
تناقلت وسائل الإعلام المختلفة تصريحات منسوبة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عصر ذلك اليوم شكك من خلالها بجدوى المقاومة، بل ورفض شروطها للتهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي، وذهب لأبعد من ذلك حينما توقع عدوان بري على غزة وكأنه نصب نفسه ناطقاً ومدافعاً عن الاحتلال الإسرائيلي، بينما غاب عن نفسه "على الأقل" استنكار جرائم "إسرائيل" في غزة والمطالبة بوقفها فوراً.
وبينما كان الصحفيون والإعلاميون المتواجدون في مجمع الشفاء الطبي يتناقشون في تصريحات "عباس" ومخاطرها على الشعب والقضية الفلسطينية، كان الخروج الأول للناطق باسم كتائب القسام "أبو عبيدة" عبر وسائل الإعلام، حيث بدا ثابتا وواثقا في تصريحاته وكلماته وتهديده لقادة الاحتلال الإسرائيلي، وأعلن إطلاق الكتائب على معركتها الدائرة مع العدو اسم "العصف المأكول"، وهو اسم أعاد الاعتبار لنا بأن هذه المعركة ذات مرجعية عقدية مستمدة من القرآن الكريم، وأرادت من خلالها كتائب القسام ايصال رسائل محددة للاحتلال الإسرائيلي بأن صواريخها ستسقط على رؤوس الإسرائيليين وتهزمهم في شكل يشبه ما فعلته "حجارة السجيل" في أصحاب الفيل.
ولم أكد أتمدد حتى قمنا فزعين نتيجة أصوات صواريخ شعرنا أنها قادمة إلينا بشكل مباشر، فقد كان صوتها يخترق الهواء بصفير مرتفع، حينها لم أتحرك من مكاني واكتفيت بالقول: يا الله..