حين هدد عزام الأحمد بإفشال أي اتفاق لإقامة ميناء بحري في غزة من خلال الأتراك، حسبت أن التهديد يرجع إلى عزام نفسه، وربما إلى رئيس السلطة على الأكثر، ولكن بعد أن اتخذت مركزية حركة فتح قرارًا حركيًا رسميًا برفض الميناء في غزة، أصبح الأمر مختلفًا تمام الاختلاف؟! فنحن الآن أمام فصيل يستأثر بمنظمة التحرير، وبالسلطة، وبتشريع القوانين، يقف خلف عرقلة كل المحاولات العربية والإقليمية لمساعدة سكان قطاع غزة على التخفيف من أعباء الحصار؟! وعلينا أن نستذكر مؤتمر قمة غزة في الدوحة في حرب ٢٠٠٨م، وغياب السلطة عنه لأن مصر رفضت حضوره؟!
إن رفض مركزية فتح لإقامة ميناء في غزة رفض مؤسف. ويجعلنا نرجع إلى الأسئلة البدهية: ما هو الميناء؟! وهل سكان غزة والضفة في حاجة إلى ميناء؟! وهل يحقق الميناء مصالح السكان في التواصل المباشر مع العالم؟! وهل في التواصل المباشر مع العالم ما يضر بحركة فتح؟! وهل كان ياسر عرفات مخطئًا حين قاتل من أجل إنشاء الميناء؟! وهل الميناء أخطر على مصالح السكان من التنسيق الأمني؟!
إن كان الميناء من حيث المبدأ مشروعا ومقبولا، وعملا وطنيا، كما عدته اتفاقية أوسلو، فمعنى ذلك أن رفضه من حيث المبدأ يكون شططا وانحرافا؟! وإن كان الرفض يتعلق بالتفاصيل وليس بالمبدأ فلا حماس ولا فتح تعرف التفاصيل حتى الساعة، وما لدى فتح من معلومات هي من مصادر عبرية ربما خلطت الغث بالسمين. وإذا ما كان التفاصيل هي المشكلة فإن الواجب الوطني يقضي بأن تجلس فتح والسلطة مع الأتراك وغيرهم لمناقشة التفاصيل، لأن الأتراك يريدون تنفيذ المشروع من خلال السلطة.
وإذا كان رفض حركة فتح للميناء لاسترضاء أطراف عربية هي على خصومة مع الأتراك، ويعترضون على أي دور تركي في غزة، فهذا الرفض لهذا السبب لا يخدم سكان غزة المحاصرين، ولا يخدم المصالح الوطنية لكل الفلسطينيين، ويجعل فتح والسلطة ورقة في الخلافات الإقليمية، وهو ما يستوجب مراجعة منصفة تحقق النأي بالنفس عن الخلافات العربية والإقليمية، والعمل في المساحات المشتركة مع الجميع بما يخدم مصالح السكان والقضية.
إن جرأة مركزية فتح في رفض الميناء تبعث على الريبة، وتفجر أسئلة كثيرة كالتي سبقت آنفا وغيرها، ومنها أين أبناء حركة فتح في غزة؟!، وهل يشاركون المركزية في قرارها؟! أليسوا هم شركاء مع السكان في غزة فيما أصابها من الضرر الناتج عن الحصار وعن إغلاق معبر رفح؟! ألا يريد أبناء فتح في غزة السفر إلى الخارج للدارسة والعلاج والتجارة بشكل مباشر؟! ثم ماذا قدمت مركزية فتح لسكان غزة من أجل تخفيف الحصار أو رفعه؟! إن هذه الجرأة تضع فتح مع من يحاصرون غزة عمدا؟!.
لا أملك تفاصيل جيدة عن مشروع الميناء، وآليات عمله، ودور أجهزة العدو في مراقبته، ودور الأمم المتحدة والأوربيين في تشغيله، ولكن أملك ما يملكه الشعب كله من المعلومات التي تقول إن كل شيء يدخل الضفة الغربية وغزة من خلال موانئ العدو يخضع لإرادة العدو أولا، ولفحوصاته الأمنية ثانيا، وهو طريق سهل لملء جيوب التاجر اليهودي ثالثا.
إنه إذا كانت السلطة تريد الجباية المالية من خلال العدو والمقاصة، فيمكنها أيضا جباية ضرائب عن البضائع الداخلة لغزة مباشرة والاستغناء عن الوسيط اليهودي. غزة، يا مركزية، باختصار تريد التواصل مع العالم الخارجي مباشرة، في كل شيء، في التجارة، وسفر الأفراد، والعلاج، ولا تريد وساطة الخواجة، ولا حتى وساطة العربي أيضا.
غزة تعبت. وعلى مركزية فتح ألّا تزيد تعبها. الناس في غزة تكاد تنفجر من المعاناة والحصار والمزايدات الرخيصة. لا يا مركزية هذا ليس عملا منصفا لسكان غزة الذين أسسوا فتح، وأمدوها بالقادة والشهداء؟!