قبل أيام أخبرني شخص أعرفه أنه تعرض لـ” ورطة” كبيرة من قبل أحد أقاربه، حيث دعاه لحضور إشهار نجله البكر داخل أحد المساجد الكبيرة بمدينة غزة، في مشهدٍ بات يتكرر كثيراً من قبل الجمهور الغزي نحو تعزيز دور المسجد وإعادة سنة النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” ببدء تأسيس الأسرة المسجد انطلاقاً من بيوت الله تعالى في الأرض.1
استغربتُ حديثه ووصفه الدعوة بـ” الورطة” وهو الرجل الذي اشتعل رأسه شيباً، لتكون الصدمة حينما أخبرني بأنه لا يمكن أن يتخلف عن تلبية دعوة صديقه “العزيز”، غير أنه لن يتمكن من دخول المسجد كونه لا يصلي، رغم أن له أحفاداً صغاراً من أبنائه وبناته يصطفون للصلاة في المسجد قبل سماع الأذان!!.
قلتُ له: اجعل هذه المناسبة محطة فاصلة لتغيير مسار حياتك حتى لا تكون من الذين ختم الله على قلوبهم.. توضأ وتمسك بحبل الله المتين واعزم عزماً أكيداً للمحافظة على صلاتك قبل مماتك، فمن لا يُقيمُ هذا الركن فقد خرج من ملة الإسلام وتفرقت به السُبل وأخشى عليك من عاقبة الأمور إن واصلت السير عبر سُبل متفرقة، وتجاهلت سبيل الرشاد والسداد الموصل للصلاح والفلاح.
وبعد هذا الحديث الذي دار بيننا توقعتُ أن ذلك الشخص سيتركني ويذهب إلى بيته، يُراجع حساباته ويفتح حنفية الماء في بيته ليغسل آثار الماضي وينتقل بجسمه إلى مرحلة جديدة يمكن أن يسلكها ما دام فيه قلبٌ ينبض وعقل يفكر، بل إن فكري ذهب بعيداً حينما تخيلت لبعض الوقت بأنه سيحرص على اقتناص كل لحظة من عمره في فعل الخير والسعي إليه فيما تبقى من عمره الذي شارف على دخول العقد الخامس.
انتظرتُ بشغف وبدأتُ حقيقة أتابع التغيرات التي جرت على ذلك الشخص لعل السعادة تتسلل إلى فؤادي بانتشاله من طريق أشغلته عن صراط الله المستقيم، بل إني بدأت أتحسس أخباره باستمرار، ولم يطل اليوم المقرر لإشهار نجل صديقه. وفي يوم الإشهار شاهدته دخل المسجد صافح العريس ووالده وغادر مسرعاً دون أداء صلاة العصر مع مئات المصلين الذين استغربوا فعله، حينها أيقنتُ بأن الله تبارك وتعالى حينما فضل الإنسان عن باقي مخلوقاته منحه العقل للتفكير، غير أن بعض البشر يُصر على عدم إعمال نعمة ميزه الله بها عن مخلوقاته، فيعيش حياته مختلفاً عن البشر.
بعد مشاهدتي لإصرار ذلك الشخص على السير في الطرق التي كان أجدادنا قبل البعثة المحمدية رعاةً للغنم، وحينما اتبعوا منهاج وطريق الإسلام قولاً وعملاً وليس مجرد تعريف في البطاقة الشخصية وأصبحوا قادةً للأمم، استثارني مصطلح “الورطة” الذي استخدمه ذلك الشخص في وصفه لأحد أهم أركان الإسلام العظيم “الصلاة”، وبدأت رحلة بحث عن أصل المصطلح لأكتشف المفاجأة.
في العديد من معاجم اللغة العربية وجدتُ تعريف كلمة “ورطة” ينحصر في كونه “وحلٌ تقع فيه الغنم فلا تتخلص منه إلا بصعوبة”، حينها فقط أصابني الاطمئنان العرضي، وأدركت بأن ما أجراه المولى تبارك وتعالى على لسان ذلك الشخص هو الواقع الذي يعيشه تماماً كما وجدته في معجم المعاني الجامع.
فالبعيد عن طريق الهداية والرشاد جاء تشبيهه في المعجم بالحيوان “أكرمكم الله” الذي يختلف عن الإنسان بعدم وجود عقل يُفكرُ به ويختار ما ينفعه ويبتعد عما يضره، كما جاء التفسير ليصف ذلك الشخص بمن وقع في الوحل الذي يجد صعوبةً في الخروج منه، وهي حقيقة من تنكبوا السُبل فتاهوا بين أمواج الحياة دون أفق أو أمل بوصولهم إلى شواطئ النجاة.
إن العاقل أيها السادة من اقتنص الفرصة قبل فوات الأوان، والحياة والموت لا يعلم بهما أو بأحوالهما إلا من أصدر القرار لهما من فوق سبع سماوات، وهو الذي أخفى أحوال كل واحد منا، لينظر منه ماذا يختار: هل سبيل الجنة أو السعير؟، وهي بكل الأحوال دنيا فانية وإن طالت، تشبه إلى حد كبير من استظل بظل شجرة وسط الصحراء، يوشك أن يتركها ليواصل المسير حتى يصل إلى بيته وأهله ليستقر مرتاح البال.