لغة القصف.. ولغة الكلام

نشر 23 فبراير 2016 | 09:45

 (القوي عايب؟!). عبارة قديمة تقليدية تتكرر دائمًا على الألسنة، لأنها تمثل خلاصة مركزة للتجربة، أو قل للتجارب البشرية في تعامل الناس مع من يمتلكون القوة، والغلبة على غيرهم بعامل فوق المنطق واللغة والفكر.

 

ثمة فرق كبير بين القوة وبين القوة الغاشمة، فالقوة محمودة حين تستخدم في مكانها لإرساء العدل وخدمة الإنسان، والحق يحتاج للقوة. ولكنها تكون مذمومة حين تكون غاشمة وتستخدم للعدوان على ضعفاء الناس، وتدمير الحقيقة والروح الإنسانية.

 

هذه المقدمة لازمة بمناسبة قول (بوتين) الرئيس الروسي في ٢٠ شباط الحالي بمناسبة الاحتفال بيوم حماة الوطن: "إن الإرهابيين في سوريا يصفون روسيا صراحة بالعدو ولا يخفون خططهم التوسعية"، مؤكدًا أن القوات الروسية تدافع في سوريا عن مصالح روسيا الوطنية. وقال: إن "قواتنا المسلحة تدافع في سوريا عن مصالح روسيا الوطنية وتساعد في حماية المدنيين هناك من الإرهاب"، [ هكذا مصالح روسيا، وحماية المدنيين؟!].

 

هذا ما تقوله القوة الغاشمة. هذه هي القوة المعيبة في العبارة القديمة. لأنه لا أحد في العالم يتفق مع بوتين أن القوات الروسية التي تعمل في سوريا تقوم بحماية المدنيين. القصف الروسي هجّر المدنيين من مدنهم وقراهم، وقتل أعدادًا غير محددة من أطفالهم ونسائهم، ودمّر بيوتهم. هذه الجرائم تحظى بإجماع دولي، بينما بوتين يزعم أنه يحمي المدنيين؟! ولأنه زعم يخالف المنطق، والعقل، والإجماع، نقول (القوي عايب؟!).

 

روسيا تملك قوة عسكرية كبيرة، ولكنها قوة غاشمة، ولا تقدم أدنى خدمة لمفاهيم العدالة، والقيم الإنسانية، ومن ثم لا أحد ينظر باحترام إلى هذه التصريحات القادمة من روسيا. لا يمكن حماية المدنيين من خلال الأرض المحروقة، والبراميل الغبية، والقنابل العنقودية، حماية المدنيين تكون من خلال أعمال سياسية وإنسانية، وتأمين المدنيين في منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم، ومن خلال وقف القصف الروسي وخروج روسيا من سوريا.

 

الحلول السياسية وآلياتها لا تخفى عن بوتين وغيره، لذا نجد بوتين يؤكد على الحل السياسي في تصريحاته فقط؟!، حيث قال في الاحتفال: إننا نهدف إلى حلّ الأزمة السورية بالطرق السياسية والدبلوماسية؟!". ولكن مفهوم السياسة عند أصحاب القوة الغاشمة يبدأ من الطائرة القاذفة المقاتلة، ومن الصاروخ المدمر، ومن القنابل العنقودية وغيرها. السياسة في روسيا لا تبدأ من تبادل المصالح والمنافع، وإنما من السيطرة والقهر.

 

ثم إن روسيا ليست دولة مجاورة لسوريا، ووجود نظام غاشم فيها يوالي روسيا لا يعني أن سوريا منطقة نفوذ لروسيا، ولا مزرعة وإقطاعية لروسيا، ومن ثم فإن مصالح روسيا الوطنية لا تبدأ من دمشق وحلب، وإنما من موسكو وبطرسبرج، والمصالح بين الدول لا تكون بالقصف، وقتل المدنيين، وتهجيرهم. المصالح تعني تبادل المنافع بين الطرفين، والقتل والتهجير ليس فيه منافع متبادلة، وحين يكون كذلك يكون عدوانًا لا مصالح.

 

تعلمنا من التاريخ أن الشعوب لا تفنى. نعم قد تذوق الشعوب طعم الهزيمة والاحتلال بعامل القوة الغاشمة، ولكنها ترفض الهزيمة والاحتلال، وتأخذ بالمقاومة، وتستمر بها حتى تحقق النصر. هذا ما قالته تجارب التاريخ والأمم قديمًا، وتقوله أيضًا تجارب الأمم حديثًا. لذا فالسوريون مطمئنون أنهم سينتصرون على الظلم وعلى العدوان، وأن روسيا ستخرج من سوريا رغمًا عنها، إن عاجلًا أو آجلًا كما خرج غيرها بعد ما قاوم السوريون العدوان والظلم والاستعمار الجديد.