حين يكون النفاق سيد العالم يكون ثمة فرق بين مانديلا ومحمد القيق على سبيل المثال، وبين شاليط أسير اوأسرى الفلسطينيين. النفاق يجري في عروق العالم الحديث مجرى الدم في عروق الإنسان. ليس ثمة سيد في دبلوماسية هذا العالم مثل النفاق.
حين قاوم مانديلا السجن في جنوب افريقيا، وقاوم الاحتلال العنصري، وجد تأييدا لمقاومته وقضيته من بلاد العالم كافة. لقد تضامن مع قضيته وهو في السجن الأحرار في بلاد العالم جميعا على وجه التقريب إذا استثنينا دولة العدو الإسرائيلي.
التأييد والتضامن ساعد في إنجاح تجربة مانديلا في مقاومة العنصرية والسجن. وحين قاوم الكاتب الصحفي محمد القيق السجن الإداري، والعنصرية اليهودية، حيث لا يطبق الاعتقال الإداري إلا على الفلسطينيين فقط، لم يجد أحدا من العالم الحرّ، أو قل من العالم الغربي المنافق يتضامن معه، أو يضغط على العدو لكي يطلق سراحه؟! لاسيما بعد أن تدهورت صحته بسبب إضرابه المتواصل عن الطعام حيث دخل في اليوم السادس والثمانين حتى الآن.
كان العالم مع مانديلا ضد عنصرية الرجل الأبيض، وكنا نحن في فلسطيني نخرج في مظاهرات شعبية تضم اليمين واليسار والإسلاميين للتضامن معه، وكنا نفعل ذلك رجولة وشهامة وإنسانية على الرغم من أننا نختلف مع مانديلا في الدين واللون.
المؤسف أننا اليوم نوشك أن نقف وحدنا مع القيق، فلا مظاهرة تطوف العواصم العربية، ولا أخرى تعرب عن إنسانيتها في ميادين دول أروبا واميركا وروسيا، لأن الضحية فلسطيني، ولأن مرتكب الجريمة يهودي ليس إلا؟! حتى ممثل الأمين العالم في الشرق الأوسط تلعثم حين تحدث عن القيق مؤخرا وكأن في فمه ماء فلا يستطيع الحديث؟!
حين كان شاليط أسيرا عند المقاومة الفلسطينية، وحين كانت الوفود الغربية والدولية تتقاطر إلى غزة تباعا في أثناء حكومة إسماعيل هنية كانت قضية شاليط تمثل الشغل الشاغل لهذه الوفود الدولية؟!. فما خلت جلسة مع أوربي إلا وتحدث عن شاليط وطالب بإطلاق سراحه. وكانوا جميعهم يتغافل عن الأسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال، وكانوا يتحدثون عن حقوق شاليط الإنسانية كأسير، ولا يتحدثون عن حقوق الأسرى الفلسطينيين، ولا يتحدثون عن حقوقنا كأحياء في رفض الاحتلال ومقاومته.؟!
اليوم يتحدث ممثل الأمين العام في المنطقة في أثناء زيارته لغزة الآن عن أنفاق غزة وتداعياتها، ويقفز عن أنفاق العدو تحت المسجد الأقصى ، ويقفز عن جريمة الاحتلال وتداعياته، وعن جريمة الحصار وتداعياته؟! وحين يتحدث عن القيق وإضرابه عن الطعام يبلع ريقه ولا يتحدث بمطالب محددة وواضحة.
أن هذا يذكرني بما قاله (حارث سيلديتش ) وزير خارجية البوسنة في أثناء الحرب في برنامج شاهد على العصر : " إن كل مبعوثي الأمم المتحدة كانوا منحازين لصربيا،و كانوا يحاولون تمرير المطالب الصربية، ولم يساعدونا كضحايا مع علمهم بمعناتنا ومظلوميتنا، والأمر كان كذلك من مبعوثي دول أوربا؟!.
لقد خسرنا قضيتنا بسبب نفاق الغرب ومبعوثي الأمم المتحدة ولجانها قبل عام ١٩٤٨م، وها نحن نوشك أن نعيد الكرة مرة ثانية حين نهتم بهم ولا نرد على تدخلاتهم المنحازة للعدو. لقد شبعنا من النفاق والمراوغة باسم الحقوق الإنسانية، وباسم المفاوضات، والحلول الوسط . لقد كان النفاق سيدا قديما، وما زال النفاق سيدا حداثيا، في عصر الإعلام، والإعلام الجديد.