غزة ما قبل المواجهة المقبلة مع «إسرائيل»

نشر 16 فبراير 2016 | 09:29

تتدحرج كرة الثلج صوب الأراضي الفلسطينية بشكلٍ متسارع ومتصاعد من خلال تسخين الأجواء العامة باتجاه التمهيد لعدوان جديد بات يتجهز له الكيان الإسرائيلي من خلال ضخ خطاب الكراهية للفلسطينيين عبر وسائل الإعلام العبرية، وهو يعتمد بذلك على ادعاء خطر الأنفاق واشتداد عود المقاومة الفلسطينية التي تتجهز للمواجهة المقبلة مع الاحتلال الإسرائيلي.33

 

صحيحٌ أن “إسرائيل” لن تشن عدوان على غزة صباح الغد ما دام الوضع الحالي على حالة الاستقرار التي لا تشكل تهديداً أمنياً لها، غير أن القِدر الذي يستقر فوق موقد النار قد يغلي في أي لحظة إن زاد الحطب أسفله، مؤدياً لزيادة النيران.

 

وقبل أن يغلي القِدر ويفصل ماؤه شديد الحرارة عظم نساء غزة وأطفالها عن لحمهم، لا بُد من الاستعداد لمواجهة حتمية مقبلة مع الاحتلال الإسرائيلي طال الزمان أم قصر، ولأن الحرب إن اشتعلت فلن يكون هناك متسعٌ من الوقت لاختيار الخطوات المناسبة للصمود والمواجهة والخروج بأقل الخسائر، وبخاصة في ظل كون المتغيرات الإقليمية المختلفة تصب في نهر الاحتلال أكثر من وقوفها إلى جانب بقعة مثل “غزة” دينها وقوميتها أقرب لدول الإقليم من “إسرائيل”، غير أننا نعيش في زمن تبدلت فيه القيم وتاهت منظومة الأخلاق.

 

تأكيداً، فإن فصائل المقاومة الفلسطينية قد استخلصت العبر والدروس من الحروب السابقة التي واجهت خلالها أعتى قوة في المشرق العربي، غير أن تلك الفصائل والمؤسسات لم تدرس الإخفاقات والمنجزات على طاولة جمعت الكل الوطني، وبخاصة مع استمرار انقسام الوطن الفلسطيني لأجزاء بسيطة ضعيفة يسهل الانقضاض عليها.

 

إن من أعظم الأولويات التي تقع بداية على فصائل المقاومة الفلسطينية واستعداداً لأي مواجهة مقبلة، تحديد الخطوط الرئيسية للعمل المقاوم، وبداية التوافق يجب أن تكون في اختيار اسم موحد للمعركة المقبلة، وبذلك تنجح المقاومة بتسديد ضربة قوية نابعة من وحدة عملها، كما أن عليها فتح خطوط اتصال وتنسيق ميداني مشترك بين أجنحتها المختلفة وإجراء تدريبات مشتركة كوادرها استعداداً لتنفيذ عمليات مشتركة تطعن العدو الإسرائيلي في خاصرته، وتكون أشد ألماً عليه من تنفيذ تلك العمليات لفصيل أو جناح عسكري واحد بشكل منفرد، بل إن العمليات المشتركة في أي مواجهة مع الاحتلال ستجعل من القاعدة الشعبية “وهي الجزء الأهم خلال أي حرب” أقوى كثيراً لو أن كل جناح عسكري عمل بشكل منفصل عن الآخر.

 

أنا لا أقول بأن تكون كل العمليات بشكلٍ جماعي، فهذا أمرٌ مستحيل على الأقل في الوقت الراهن، غير أن خروج عدد من العمليات بشكل جماعي سيكون لها نتائج كبيرة في ساحة العمل الوطني، وسيكون الإنجاز كبيراً في حال ارتفعت وتيرة التنسيق بين الفصائل على المستوى السياسي لتنتقل إلى الجانب العسكري.

 

استعداد غزة لا ينحصر فقط في الأجنحة العسكرية، بل إن الوزارات والجمعيات الخيرية والأجهزة الشرطية والأمنية ووسائل الإعلام الفلسطينية وكل جهة ذات تلامس مباشر خلال أي حرب مع المواطن يجب أن تكون على جاهزية واستعداد تام ووضع الخطط القوية لمواجهة أي عدوان جديد، والخطط بكل تأكيد يجب أن تستند على استخلاص العبر من الحرب الأخيرة بشكل خاص وتجاوز الخلل الذي انتاب العمل فيها وتعزيز النجاحات والانجازات.

 

أنا أدرك جيداً بأن الإمكانيات المتوفرة لمواجهة أي حروب أو كوارث طبيعية أو بشرية في قطاع غزة قليلة وتكاد تكون معدومة لدى العديد من القطاعات الفلسطينية وبخاصة القطاع الصحي الذي يتعرض لأسوأ نذالة تتنكر لكل المعايير البشرية والإنسانية وتحاصر المرضى وتمنع العلاج والدواء دون النظر لمعاناتهم وأناتهم التي تعلو ويرجع صداها دون أن يجلب معه بشرى لعلاج أو وقف نزيف مريض أو جريح، غير أن العمل يجب أن يكون بما هو متوفر وموجود لإنقاذ أي إنسان فلسطيني حينما تشتعل نيران حرب نتمنى ألا نراها بكل تأكيد، غير أنها إن فُرضت علينا فلن نرفع الراية البيضاء وسنقاتل كالعادة كل واحد منا في ميدانه بشرف وبكل رأس مرفوع مهما كانت أجسامنا تنزف الدم، فسيكون أهون على أنفسنا أن تبقى هاماتنا مرفوعة بجروحها من أن تنحني وتعيش ذليلة تحت بساطير الاحتلال.

 

إن التاريخ سيكتب أيها السادة بمداد من ذهب ذات يوم أن الشعب الفلسطيني حوصر وخُنق من أهل الجوار والعروبة والدين وقتلة الأنبياء وكان بإمكانه أن يُصافح الأعداء لتسلم رقبته، غير أنه رفض هذه المعادلة وقرر أن يقف في خندق البطولة والرجولة برجاله ونسائه ومقاوميه فانتصر وإن كانت أيديه تخضبت بالدماء الحمراء القانية.