عريقات وفرج ما بين كشف المستور وصفقات الفوز بالرئاسة

نشر 28 يناير 2016 | 09:26

يجلس رئيس حركة “فتح” محمود عباس مع نهاية يومه يقرقر عبر فوهة أرجيلته، بينما يمسكُ بيده الأخرى صفحات التقارير الدورية التي تصله حول صراع الوحوش داخل حركته التي مضى على تأسيسها خمسة عقود من الزمن، أشعلت شرارتها بالطلقة الأولى واختتمتها بفضائح العمالة والسقوط القيمي والأخلاقي. وبينما يتصفح تلك التقارير يُصدر ضحكاته بأعلى صوته خلال متابعته لفضيحة كشف جاسوس داخل مكتب أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية الدكتور صائب عريقات تم زراعته في المكان الأكثر حساسية منذ واحد وعشرين عاماً، ثم ما يلبث أن يسرح بفكره حينما يبدأ بقراءة التصريحات التي أدلى بها اللواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية حول إقراره إبطال أكثر من 200 عملية فدائية لفصائل المقاومة الفلسطينية كانت تستهدف نقاط إسرائيلية مختلفة.11

 

يُدرك “عباس” أن نهايته باتت قريبة مهما تقرب إلى الإسرائيليين بولاءات الطاعة والخنوع على حساب أبناء شعبه وقضيته، فهم يُدركون أن القضاء على أي جذوة للمقاومة الفلسطينية التي تستهدف وجود كيان الاحتلال الإسرائيلي، يمكن أن يقوم بها أشخاصٌ أكثر منه وبأساليب أفضل، خاصةً وأن أولئك الأشخاص المقترحين في حركة “فتح” يتمتعون بحالة من الشباب والحيوية أكثر من “عباس”، بعدما تخطى عمره الثمانية عقود، باختصار فالنظرة الإسرائيلية لـ” عباس” أنه بات يعيش مرحلة الخرف بحكم التقدم في السن.

 

ومع دخول العام الجاري 2016م، بدأت تتضح فصول المعركة الفتحاوية الداخلية، ليكون أحد ضحاياها حرق ورقة صاحب كتاب “الحياة مفاوضات” الذي كان أحد المتنافسين على خلافة “عباس”، وما إن انتهى الحديث عنها حتى بدأ الحديث بورقة اللواء ماجد فرج، غير أن الحديث في هذه القضية يختلف عن “عريقات” بكونه قد يكون إما كونه سقط بحفرة من قبل تيار في الحركة المتصارعة أراد تعريته أمام الجمهور بحرق ورقته وإزاحته عن سباق المنافسة على خلافة “عباس”، أو أنها خطوة مدروسة من اللواء “فرج” نفسه لتسويق نفسه عبر الخارطة الدولية والإسرائيلية وأنه الأقدر على الظفر بهذا المنصب. خاصةً وأن الجميع يُدرك بأن الطريق لرئاسة السلطة الفلسطينية يتم تمهيدها فوق رقاب الفلسطينيين المُطالبين بانتزاع حقوقهم من الاحتلال الإسرائيلي، ولا يملك أي طرف فلسطيني المقدرة على اختيار أي شخصية لخلافة “عباس” لا تنال رضى “تل أبيب” أو “البيت الأبيض”.

 

السباق “غير الشريف” داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني لا يقتصر على “عريقات” أو “فرج”، فكرسي السلطة الفلسطينية يسعى إليه الكثيرون، والأيام المقبلة ستشهد إما نشر فضائح جديدة تكون السبب في إزاحة بعض المتسابقين نحو المقاطعة، أو قيام بعض القادة بتقديم إغراءات لقادة الاحتلال الإسرائيلي تعتمد بالأساس رفع فاتورة الخيانة للثوابت والقضية الفلسطينية، ولا ضير أن يكون وقودها من دماء أبناء الشعب الفلسطيني الرافضين للاحتلال الإسرائيلي واغتصابه لديارهم وأرضهم منذ عقود، وفيما يتعلق بهذا الخيار فالفتحاويين المتنافسين على تقديم الولاءات باتوا يتحركون ضمن هذه المساحة دون الخشية لانتقاد القاعدة لديهم من الخيانة العلنية التي يقومون بها لصالح الاحتلال.

 

ومن مكتبه بالعاصمة “دبي” إلى مقره في العاصمة المصرية “القاهرة” يتنقل “أبو فادي” النائب محمد دحلان الذي أصدرت رئاسة السلطة الفلسطينية قراراً بفصله من الحركة حينما كان قاب قوسين أو أدنى على اعتلاء قبة قيادتها، وما بين حركة هنا إلى خطة هناك فهو مشغول، حيث تنظر إليه الكثير من الأطراف داخل الحركة أو خارجها بأنه من يُمسك بالخيوط التي تتحكم بأطراف الحركة المختلفة ويُحركها كيف يشاء تحقيقاً لمطامعه نحو تسلم زمام القيادة الذي أبعدته عنه الحركة لعدة سنوات.

 

وإن كان “دحلان” يقود خطة السيطرة على رئاسة الحركة وصولاً إلى رئاسة السلطة الفلسطينية، فهو يستخدم في سبيل تحقيق ذلك الكثير من الأشخاص والأدوات والوسائل، ويمكن في المرحلة الأولى ألا يكون “أبو فادي” في الواجهة، غير أنه سيكون المحرك من بعيد حتى يضمن السيطرة على ساحة “فتح” بالضفة الغربية كما يسيطر على ساحة غزة، ولذلك فالكثير من مشاهد تقارب عدد غير قليل من قادة الحركة منه واجتماعهم به يصب في هذا الاتجاه، ولعل حملة الترويج التي تقوم بها فدوى البرغوثي لصالح زوجها المعتقل لدى الاحتلال الإسرائيلي تصب لصالح تمهيد الطريق أمام “مروان” لتقلد سدة قيادة حركة “فتح” أو الرئاسة التي تُجمع القاعدة فيها عليه كخيار، بينما ستكون الطريق سهلة لرئاسة الحكومة من نصيب الدكتور سلام فياض والذي لم تكن زيارته لغزة قبل فترة من الزمن إلا بهدف التمهيد لذلك.

 

وفي يد “أبو فادي” العديد من الأوراق لعل أبرزها فيما يتعلق بقطاع غزة، ويمكن أن تشكل أداة لتمهيد الطريق أمامه، ومنها مفتاح معبر رفح واللعب على ورقة انهاء معاناة حصار غزة وملف الكهرباء من خلال القيام بربط غزة ضمن الخط العربي الثماني، وتزويدها بالخط الإسرائيلي الأكبر، وبذلك يظهر بمظهر المخلص لمعاناة الفلسطينيين، بل لا مشكلة عنده من التقارب في بداية مسيرته من حركة “حماس” من خلال دفع أدواته بالضفة المتمثلين بـ” سلام فياض” و “مروان البرغوثي” نحو حل مشكلة موظفي غزة الأربعين ألف، وبذلك تتحول صورته إلى ناصعة البياض في عيون الفلسطينيين الذين ينظرون له منذ سنوات بمنظار أسود ويتهمونه بالخيانة وبيع القضية والثوابت الفلسطينية في سوق النخاسة بثمن بخس دراهم معدودة.

 

هكذا تسعى الأطراف المختلفة للسيطرة على رئاسة السلطة الفلسطينية وحركة “فتح”، غير أن أبرز المتنافسين وأقدرهم على التقدم بخطى ثابتة سيكون “محمد دحلان”، والسؤال الأهم في هذا الإطار تمتلك إجابته الأطراف الفلسطينية المناوئة لـ” دحلان” وفي مقدمتها حركة “حماس”، فهل ستغفر ذنوبه السابقة في مقابل تخفيف وطأة الحصار والانقسام الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني وكان أحد أبرز صناعه هو “محمد دحلان”؟. ليس بالإمكان معرفة إلى أين تتجه الأمور إلا بالانتظار ومتابعة ما تحمله الأيام المقبلة بين ثناياها.