غزوة الخمسة بلدي متواصلة بأشكال مختلفة

نشر 21 يناير 2016 | 09:37

“أنا راح أستلمهم خمسة بلدي.. من الآن وحتى نهاية الأربع سنوات.. وحياة أبوكم اللي في فتح بيقول بدو يدخل في الحكومة معهم راح أقل قيمته، إلا إذا وافقوا على كل المشروع السياسي وبعدها سيكون لنا رأي”.. كانت هذه مقتطفات من تسجيلات للقيادي في حركة “فتح” محمد دحلان بعد وقت قليل على فوز حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بنصيب الأسد في انتخابات البرلمان الفلسطيني عام 2006م، وبصدق فإن المتتبع جيداً لأحداث التاريخ الفلسطيني يُدرك أنه منذ تلك التصريحات دخلت الأراضي الفلسطينية في جولةٍ من “الرقص البلدي” على رأي “أبو فادي” لا تزال متواصلة حتى الآن، بل إن عدوى الرقص قد أصابت العديد من الأقطار العربية والإسلامية، ولا بوادر في الأفق على ما يبدو للتوقف من قبل أولئك لوضع الخطط النهضوية لتلك البلدان بدلاً من استمرار هدر أموالها وأرواح أبنائها اللاهية والراقصة بشكل دامي في جولات كثيرة.دحلان

 

واهم لأقصى حد من يتجاهل الدور الخفي الذي يقوم به القيادي بحركة “فتح” لتوتير الساحة الفلسطينية وتصدير الأزمات فيها من جانب، وشراء ذمم الآلاف من “أصحاب الذمم الواسعة” المنتمين لحركته “فتح” أو غيرها وعلى اختلاف تخصصاتهم بالمال والجاه وغيره من جانب آخر، فهو شخص يلعب “عالمكشوف” غير أنه لا يترك خلفه أي بصمات، وبالتالي فهو يعمل بشكل احترافي.

 

جولات مختلفة من الرقص جعل القيادي “دحلان” بفعلها الأراضي الفلسطينية تعيشها واقعاً أليماً قبل أن تلفظه في يونيو عام 2007م، حينها فر هارباً يتحسس رقبته، غير أنه شخص لا يتنازل بسهولة أمام خصومه، غاب عن المشهد لفترة من الزمن، غير أنه أمضى وقته متنقلاً بين العديد من العواصم العربية وبخاصة تلك التي وقفت سداً منيعاً في وجه شعوبها الباحثة عن الحرية والعدالة الاجتماعية.

 

تعددت الأطراف التي تقاطعت فيما بينها على العداوة للقيادي الفتحاوي الهارب، فحركة “حماس” وقفت له بالمرصاد كونه من أعد الخطط للقضاء عليها في أول تجربة لها على سدة الحكم، كما أن حركة “فتح” نظرت إليه بعين الاحتقار كونه من ضيع إرث الحركة التاريخي وأخرج قطاع غزة من تحت عباءتها، فباتت الحركة كالطائر الذي يحلق بجناحٍ واحد فقط. الحركة الإسلامية في غزة اكتفت بمتابعة فصول “دحلان” من بعيد، غير أن الأمر اختلف لدى حركة “فتح” التي أصدرت القرارات المختلفة والمتسارعة لتعليق فشلها على شماعة “محمد دحلان” فقامت بفصله وتجفيف منابعه وإغلاق مؤسساته في الضفة الغربية، كما فصلت أي عنصر فتحاوي أعلن الولاء له.

 

وفي غمرة هذه الأحداث ظهر “محمد دحلان” يحمل ملابس حاكم دبي محمد بن زايد، وهي مشاهد أشعلت أبناء “فتح” واعتبروها إهانة كبيرةً لهم دون أن يعرفوا ما تُخفيه الصورة من ورائها وسبب هذا التقارب بين شخصية فلسطينية وأخرى إماراتية. في ذلك الوقت انشغل المناوئون لـ” دحلان” بالهجوم الإعلامي عليه، أما هو فكانت له مآرب أخرى، وخطط جعل أساسها محاربة قيادة حركته وتأديبها على خطواتها بحقه ومحاربة الإخوان المسلمين في العالم والتي تعتبر حركة “حماس” التي طردته من غزة هي أحد أجنحتها.

 

مضت الأيام فتكشفت الحقائق الواحدة تلو الأخرى، وتحدثت وسائل الإعلام المختلفة أن “دحلان” بات يصول ويجول في العديد من العواصم العربية وأخرى غربية توفر الدعم السياسي لها، ولم يكن غريباً الإعلان بأنه المستشار الأمني لحاكم إمارة دبي، بل وذراعه الأيمن الضارب في الوطن العربي لجماعة الإخوان المسلمين، ومن مصر بدأت جولات الرقص لتنتقل إلى تونس وليبيا وسوريا واليمن والكثير من البلدان التي من غير المستبعد أن بعضها دولاً غير عربية، لكنها إسلامية، وهذا ما يسعى إليه “الفتى الطامح” على رأي الرئيس الأمريكي الأسبق.

 

وعلى هامش حربة المستعرة للقضاء على تنظيم الإخوان المسلمين وأي تجربة لهم في الحكم، سدد عدة ضربات لحركته “فتح” كان منها كشف فضائح لقادة منها بينهم أبناء زعيم الحركة محمود عباس، ووصل أخيراً لاستمالة أبرز شخصية أمنية فلسطينية “ماجد فرج” إلى صفه والتحالف معه، الأمر الذي شكل ضربة كبيرة لقيادة الحركة المتصارعة أصلاً على الظفر بمنصب خليفة “عباس”، كما أن اللواء “فرج” هو رئيس لجنة التحقيق في وفاة ياسر عرفات والتي يعتبر فيها “دحلان” أحد أبرز المتهمين.

 

إن محمد دحلان من الشخصيات الفلسطينية التي تُجيد القتال حتى الرمق الأخير، وليس من السهل إبعاده عن حلبة المصارعة، وهو يمتلك كاريزما تمكنه من القضاء على كتف الشاة دون أن يترك أثراً لذلك، وهو بحاجة لخطط مناسبة يتم دراستها بعناية قبل مواجهته، فأي مواجهة فاشلة لخصم أمامه سيعتبرها انتصاراً له، يشعل بارقة أمل أمام عيونه الباحثة عن السلطة والشهرة، التي بات ينظر إليها أكبر كثيراً من مجرد خلافة “عباس” في قيادة السلطة الفلسطينية، فطموحه تخطى ذلك ليستهدف مساحات وعواصم أكبر كثيراً من مجرد أرضٍ فلسطينية محتلة.