الإعلام الفلسطيني.. إمكانياتٌ كبيرة وقوة غائبة

نشر 16 يناير 2016 | 09:16

عنوان المقال الذي كتبته وبدون الدخول لمتن الموضوع سيعتبره المواطن الفلسطيني باباً من الترف الفكري ومحاولة من قِبلي لإعطاء الإعلام الفلسطيني مكاناً أكبر من الذي يستحقه بالتوازي مع كون التفكير السائد، هو أننا معشر العرب نُبدع في تضخيم الأحداث والأعداد والمعاناة وغيرها، بينما الاحتلال الإسرائيلي الذي يتابع بشغف من خلال أجهزة رصده ومخابراته الاعلام الفلسطيني فيرى بأن هذا العنوان سيكون أصغر كثيراً عن وصف ما أحدثه الإعلام الفلسطيني على الجبهة الإسرائيلية الداخلية، وكما قال الشاعر “الفارقي” في قصيدته “ومناقبٌ شهد العدو بفضلها*** والفضلُ ما شهدت به الأعداء”، فشهادة الأعداء على قضية من القضايا يختلف كثيراً عن شهادة أهل البلد، وهذا منطلقي للحديث.13

 

بملاحظة متابع ومتعمق في الإعلام الفلسطيني منذ ما يقارب عقد من الزمان فقد أدركت بأن الإعلام الفلسطيني يمتلك الكثير من الإمكانيات الكبيرة التي لو أجمع على استغلالها وأدائها على وجهها الأمثل لحقق الكثير من الانجازات، بل والضربات القاضية للمناوئين والخصوم له، ويمكن تحديدها في التالي:

 

عدالة القضية: فالإعلامي الفلسطيني يمتلك قضية تعتبر الأكثر عدالة في العالم، وهي بمثابة سلاح فتاك “إن أحسن استخدامها”، وعدالة هذه القضية نابعة من أنه مواطن ضمن مواطنين طردتهم “إسرائيل” عن أرضهم وديارهم، وهو إعلامي يعيش مُشاهداً لمفتاح بيت جده ووالده، كما أن كافة المواثيق والأعراف الدولية أقرت بحق الفلسطيني وظلم الاحتلال الإسرائيلي له، وهي قضية لن يحتاج الإعلامي الفلسطيني جهداً كبيراً في إثبات عدالتها ومصداقيتها، بينما ينقصه الهمة والجرأة الكبيرة من جانبه للدفاع عنها والقتال في سبيل استردادها عبر المنابر الإعلامية المختلفة التي يعتلي منابرها.

المادة الكبيرة: التاريخ الفلسطيني حافل وفيه فصول أكثر من تدوينها ضمن موسوعات تاريخية حول الشعب الفلسطيني وقضيته والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحقه على مدار التاريخ، بالإضافة إلى موسوعات في القانون وحقوق الإنسان تؤيد حق الفلسطيني بأرضه ودياره ومواجهة محتل بلاده، وهي مواد ستكون كفيلة بتسديد ضربات موجعة للاحتلال الإسرائيلي وأدواته المختلفة في حال قرر الإعلامي الفلسطيني نفض الغبار عنها والاستعانة بالقليل منها في إطار روايته التي يعمل جاهداً على نقلها لمختلف الأقطار والعواصم العالمية، وبخاصة المُحبة للإنسانية والعدالة منها، وهي أكثر من التذكير بها “في الإطار الشعوب على الأقل”.

الكوادر البشرية: المتابعة للإنجازات التي يحققها الصحفيون والإعلاميون الفلسطينيون تؤكد بما لا يدعُ مجالاً للشك أن فلسطين لديها كوادر بشرية وإعلامية تتمتع بالمهنية العالية والأداء المتميز وتفضل مختلف وسائل الإعلام الدولية الاستعانة بها والاعتماد عليها، بل لا تقوم بإيفاد مراسلين لها وبخاصة في وقت الحروب والأزمات التي تعيشها الأراضي الفلسطينية “كما هو معمول به في مختلف مناطق العالم” لتغطيتها، إنما تعتمد على الإعلامي الفلسطيني، وهذه شهادة وحدها تكفي، كما أن الجوائز الدولية التي يحصدها الصحفي الفلسطيني بشكل شبه شهري تؤكد بأنه قادر ليس على المنافسة فقط، وإنما على التميز دولياً، ولفلسطين أن تفتخر بأبنائها الصحفيين، فهي تمتلك كوادر وكفاءات كبيرة لكنها لم تُحسن الاستفادة منهم على الوجه الأمثل.

التطور التكنولوجي: صحيحٌ أن الإعلام الفلسطيني يُعاني من أزمة التمويل الكافي لعمله وتميزه في الساحات الدولية، لكنه ومقارنة مع العديد من المنظومات الإعلاميات الدولية يُعتبر متقدماً خطوات كثيرة في مسألة استخدام تقنيات الاتصال والإعلام، غير أن منتوج ما يقدمه بما يوازي حالة التقدم التي يعيشها لا تساوي ما هو مأمول ومتوقع منه مقارنة بالإمكانيات.

إن ما ينقص الاعلام الفلسطيني ضرورة إزالة الحواجز التي يصنعها البعض بين وسائله المختلفة بفعل اختلاف التوجهات السياسية والأيديولوجية لأحزابه، وأنا بذلك لا أعني القضاء على الإعلام الحزبي الذي يمتلك مزايا كبيرة يمكن استغلالها إن تم الاستفادة منها، وإنما أقصد بضرورة ايجاد صيغ مشتركة بين وسائل الإعلام المختلفة في الخطوط العامة للقضايا الفلسطينية التي لا تحتاج مجهوداً كبيراً أو البحث عن دلائل كبيرة لتسويقها في مختلف أرجاء العالم.

 

تكرار حديث الاحتلال الإسرائيلي أن الشعب الفلسطيني يمتلك منظومات إعلامية مختلفة وجيش إعلامي متعدد الأذرع كلامٌ دقيق، غير أن هذا الجيش لن تُفلح “إسرائيل” في الصمود أمامه لنصف جولةٍ من المبارزة إن تم تنسيق الجهود وتطويرها فيما بينه وتركيزها على قضايا محددة تؤدي لخدمة القضية الفلسطينية بدلاً من تدميرها كما قوم به بعض وسائل الإعلام الفلسطينية من حيث تدري أو ربما عن جهلٍ منها، فهل سنعي الدرس قبل فوات الأوان؟ أم أن إحداث نجاحات واختراقات للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي أمورٌ لا تعنينا؟.