حين يدقق المرء في ملف قضية المستشار هشام جنينة تحيره مفارقاتها، بحيث لا يعرف ما إذا كان عليه أن يضحك أم يبكى. ذلك أن رئيس جهاز المحاسبات حين قام بواجبه وكشف عن الفساد في أجهزة الدولة المصرية فإن اللوم وجه إليه وليس إلى المفسدين. ومن ثم أصبح هو المتهم والمدان وليس غيره، ولذلك فإنه أحيل إلى التحقيق وتحمل التنديد والتشهير، أما الذين نسبت إليهم وقائع الفساد فلم نعرف أن أحدا منهم مسه سوء. ثم إن ما أعلنه الرجل لم يكن رأيا شخصيا أبداه ولا وجهة نظر انحاز إليها دون غيرها، لكنه حصيلة تقارير اللجان المختصة في الجهاز، التي تضم محاسبين وخبراء في تخصصاتهم. ولأنه قاضٍ أولا وأخيرا وليس خبيرا محاسبيا، فإنه حين تلقى التقارير من خبراء الجهاز تصرف كأي مسئول يؤدى واجبه، فأبلغ الدولة والرأي العام بخلاصتها. وإذا ما تبين أن ثمة خطأ في تلك التقارير فعليه هو أو غيره مراجعة لجان الجهاز وخبرائه. أما أن يلاحق الرجل ويتم اغتياله معنويا، فذلك مما يصعب افتراض حسن النية أو الإنصاف فيه. وحين تترك الملفات الكبرى التي تحتاج إلى تحرير وتقصى حقائقها، من قبيل ما أذيع عن تدخلات الأمن في السياسة أو الاختفاء القسري والتعذيب في السجون وصولا إلى ما جرى في ملف سد النهضة، حين يترك كل ذلك وتشكل لجنة لتقصى حقائق البيان الذي أعلنه المستشار جنينة، فإن ذلك يثير الانتباه ولا يخلو من مفارقة. كما يظل مستغربا أن يتم التكتم على أعضاء اللجنة التي قامت بالمهمة، الأمر الذي أثار لغطا واسعا حولها. قيل فيه إن بعض الجهات التي نسب إليها الفساد شاركت في تقييم كلام المستشار جنينة عن الفساد. ثم إن البيان الذي توسعت الصحف الصادرة أمس في نشر تفاصيله تمت صياغته على نحو بدا فيه وكأنه إدعاء مقدم إلى القضاء وليس حصيلة عملية التقصي التي قامت بها اللجنة. فحين يقول البيان إن تصريحات المستشار جنينة بمثابة تضليل وإغفال متعمد للحقائق فذلك يعد اتهاما مباشرا يخرج عن مهمة تقصى الحقائق، التي لم يقل أحد إنها تتقصى النوايا أيضا. وحين يذكر البيان أن تصريحات رئيس جهاز المحاسبات معدة بالاشتراك مع جهات أجنبية مما قد يضر بالمناخ السياسي والاقتصادي للدولة، فذلك اتهام آخر مكانه في إدعاء النيابة العامة وليس تقرير تقصى الحقائق. وفى كل الأحوال فإن ما صدر عن اللجة يظل تعبيرا عن وجهة نظر واحدة، ويقتضى الإنصاف أن يتاح للرجل أن يرد على ما نسب إليه وإلى الجهاز الذي يرأسه، أما الاكتفاء بعرض وجهة نظر طرف دون آخر فإنه يعد انحيازا متعمدا له ما بعده.
ملابسات ما جرى مع المستشار جنينة باتت معلومة للكافة. إذ لم يعد سرا أن الرجل مستهدف لأسباب عدة. أهمها انه دخل منذ اللحظات الأولى لتوليه منصبه في عش الزنابير، لذلك ظل يلسع طول الوقت. ومشكلته الكبرى أنه تصرف كقاضٍ نزيه، أخذ على عاتقه أن يباشر عمله بجدية وصرامة، فأصبح بمضي الوقت شخصا غير مرغوب فيه من جانب الدوائر التي احتك رجاله بها في أداء مهامهم. ذلك أنه لم يجامل المقامات الرفيعة ولم يراع حساسية وحرمة الأجهزة النافذة. ولأنه لم يقدر مدى قوة ونفوذ الأجهزة البيروقراطية والأمنية، وبالتالي لم يكن على استعداد للتفاعل مع قواعد اللعبة التي تفرض على كل مسئول تنازلات ومواءمات معينة تتضمن خطوطا حمراء يحظر تخطيها. وحين تخطاها الرجل فكان ينبغي أن يدفع الثمن وتنصب له الفخاخ والمكائد.
لقد شاء قدر الرجل أن يعين وزير للعدل له تاريخ طويل من الخصومة معه هو وغيره من قضاة دعاة الاستقلال، خصوصا أن الوزير لم ينس تلك الخصومة حتى أنه دأب على تصفية الحساب مع زملائه القضاة بعدما تولى منصبه. وفى ظل اجتماع الظرفين العام والخاص توالت الإجراءات التي استهدفت الإطاحة بالمستشار جنينة. وكان أحدها إصدار قرار بقانون في الصيف الماضي أجاز لرئيس الجمهورية عزل رؤساء الأجهزة الرقابية المستقلة (وصف آنذاك بأنه «قانون جنينة»)، من تلك الإجراءات أيضا تعيين المحامي العام لنيابات أمن الدولة العليا السابق نائبا له، واختياره لاحقا ضمن لجنة تقصى الحقائق التي اتهمت المستشار جنينة بالتضليل المتعمد.
أمس (١٣/١) أبرزت جريدة «الأهرام» اتهام المستشار جنينة بالتضليل، و«الشروق» ذكرت أن مستقبله في مهب الريح. أما جريدة «الوطن» فقد كان عنوانها الرئيسي أكثر صراحة، فذكر أن: إشارة خضراء لعزل جنينة ومحاكمته. وهو ما يسوغ لي أن أقول إن حكم الإدانة صدر والمقصلة نصبت وحانت لحظة ضم الرجل إلى قائمة شهداء الحرب ضد الفساد.