التيه الفلسطيني وإستراتيجية التعامل معه

نشر 12 يناير 2016 | 11:19

منذ أن حطت الجماعات الصهيونية رحالها على أرض فلسطين في عشرينيات القرن الماضي، خاض الشعب صراعات مختلفة مع تلك الجماعات، فحقق انجازات لم تعدُ كونها مرحلية وليست استراتيجية، ومع اشتداد المواجهة لتلك الجماعات التي جاءت رغبةً منها في السيطرة على أرض فلسطين التي ليست من حقهم في الأساس، لكن طموح أولئك المتسولين من الجماعات الصهيونية والفقراء في البلاد التي عاشوا فيها، هو الحصول على موطئ قدم لهم في تلك الأرض التي “تفيض لبناً وعسلاً”، وفلسطين كانت كذلك بالفعل قبل احتلالها من قبل تلك الجماعات.12

 

ومع تطور الصراع الذي خاضه الفلسطينيون مع الجماعات الصهيونية قبل الإعلان عن تأسيس كيانهم المُسمى “إسرائيل” تشكلت العديد من الأحزاب الفلسطينية وكلٌ منها امتلك رؤية تختلف تماماً عن الآخر في كيفية التعامل مع الصهاينة و” إسرائيل” المحتلة لبلادهم، فمنهم من مال للسلمية ومنهم من تبنى منهج “ما اُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”، مضت العقود من الزمن الواحد تلو الآخر، ولم تتحرر فلسطين من دنس الاحتلال الإسرائيلي، ويبدو بأننا بوضعنا الحالي الذي نحن نحياه بعيدون للغاية عن بر الأمان لوطننا وقضيتنا.

 

إن الفصائل الفلسطينية تعيش واقعاً مأساوياً للأسف، وقد تكون المناكفات التي تقوم بها فيما بينها وتنفق عليها الكثير من الأموال والجهود والأوقات هي السبب الأوجه في ضعف الضغط الذي يمارسه الفلسطينيون على الاحتلال الإسرائيلي، وليس مستبعد بالمطلق أن تكون السبب المباشر في طول عمر كيانه، الذي من المؤكد كان سيترنح منذ سنوات طويلة لو أنه وجد وحدة فصائلية وشعبية فلسطينية في مواجهته وتكريس الجهد والمال والوقت في سبيل التخطيط لإزالته بدلاً من التفرغ وإجهاد الذات في التخطيط من قبل تلك الفصائل الفلسطينية لإظهار فشل الآخر أو الدفاع عن النفس من الطعنات التي يوجهها الفصيل الآخر.

 

بدلاً من أن يتمايل الاحتلال الإسرائيلي بضرباتنا، فإن القضية الفلسطينية تترنح أيها السادة منذ زمن بعيد وقد توقف محرك سفينتها عن العمل وسط بحرٍ متلاطم الأمواج، أما أنتم فغاب عنكم التخطيط الإستراتيجي عن كيفية النهوض بقضيتنا الوطنية وإخراجها من عنق الزجاجة، نحن بحاجة لتخطيط وخُطط توحد جهود الكل الفلسطيني وتضعها في بوتقة واحدة همها الوحيد مواجهة العدو المشترك لنا المتمثلُ في الاحتلال الإسرائيلي.

 

المواطن الفلسطيني المطحون بفعل نيران العدو الإسرائيلي وخلافاتكم الداخلية من جهة أخرى، بحاجة لأن يجد حلولاً لمشاكله اليومية التي باتت في موقع متقدم على سُلم أجندته بعدما تراجعت اهتماماته من القدس واللاجئين والاحتلال وحق العودة إلى توفير قوت أبنائه وحريته في السفر وضمان استمرار تلقيه الراتب وعدم الخشية من قطعه.

 

على كل فصيلٍ من فصائلنا الفلسطينية “التي لا أستثني منها أحداً” أن يعتبر من تجارب الآخرين، وعليه أن يقف مع ذاته وقفةً شجاعة قبل فوات الأوان، هذه الوقفة تتمثل في دراسة الحالة التي بات عليها هذه الأيام والمشاكل التي يعاني منها والمأزق الذي يعتري عمله، وخطته لنهضة البلد وإستراتيجيته للتحرير والخروج من عنق تلك الزجاجة اللعينة التي وجدنا أنفسنا فيها منذ عقود من الزمن بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

 

إن من الشجاعة التي يجب أن تتحركوا في إطارها تمثل بإبعاد كل عناصر الضعف عن درجات القيادة والحُكم في فصائلكم السياسية، وتجاوز نقاط الخلل المختلفة، والبحث عن نقاط وعناصر القوة والاعتماد عليها، دعوكم من تقديس الأشخاص ولا تواصلوا صناعة “الهيلمان” لبعضها، فكلنا بشر وإمكانيتنا ليست متساوية مع بعضنا البعض، وهناك مميزات تختلف من شخص لآخر، علينا الاستفادة من تلك المميزات وتجاوز السلبيات حتى وإن كان من بينها قيادات تاريخية لتلك الأحزاب.

 

أخاطب كل فصيل فلسطيني بكلمات قليلة: كُلنا أيها السادة غرقى، والذكي من قام بخطوات تمكنه من الحفاظ على ما في يديه قبل أن يستمر مسلسل النزيف في حزبه وتنظيمه فيفقد كل شيء، ولن يُفلح أحدهم في إجراء أي إنعاش لأي شيء فقد كامل دمه.

 

تلمسوا التجربة من الانتخابات التركية، فحزب العدالة والتنمية في الجولة الأولى من الانتخابات تراجعت نسبته كثيراً وتهدد مصيره، فلم ينتظر كثيراً وقام بعمليات دراسة وتمحيص فعرف الأسباب التي وقفت وراء هذا التراجع، لكنه اختلف عنكم بأنه أزال تلك الأسباب في بضعة شهور فحصل على نتائج لم يتوقعها خلال جولة الإعادة، ومن بين الأسباب إجراء تغييرات جوهرية على قائمة مرشحيه وقياداته للبرلمان التركي، وهذا ما يُسمى تخطيط استراتيجي. الفرق بينكم يا فصائلنا الفلسطينية وبين “العدالة والتنمية” أنكم تعرفون الأسباب والمشاكل ولكنكم لا تمتلكون الجرأة الداخلية في التغيير والتبديل، لأسباب مختلفة من بينها الخشية من “حرد” وغضب بعض القيادات الفاشلة التي لا تتمكنوا من استبعادها عن المشهد العام رغم فشلها المتكرر وانعكاساتها السلبية عليكم، وبذلك تضحون بشعبية أحزابكم بالكامل في مقابل التمسك بقيادات أثبتت

تكرار فشلها في مراكزها ومناصبها ضمن خارطة أحزابكم السياسية.