منذ إعلان انطلاقتها في الرابع عشر من ديسمبر عام 1987م يفرض العالم بأنظمته المختلفة الحصار المشدد على حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، بل ويحاربها في مختلف المحافل الدولية، وحين تجتمع القيادات الأوروبية والغربية مع قيادة الحركة “كما حدث خلال عشرات المرات في أوقات سابقة” وتطلع على رؤية الحركة تجاه مختلف الأحداث والقضايا الفلسطينية والإقليمية لا تجد تلك القيادات بُداً من هز رأسها خلال تلك الاجتماعات موافقةً للمنطلقات والمبادئ والأهداف التي تسعى الحركة لتطبيقها وتناضل في سبيل تحقيقها، غير أنه وفور مغادرة القيادات التي تفعل ذلك من الدول الأوروبية لقاعات تلك الاجتماعات، حتى تبدأ بالطعن في الحركة ومُطالبتها بضرورة الالتزام بكذا وكذا، الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة أهمها: ماذا يريد العالم من حركة حماس؟.1
قبل الخوض في معرفة ما يحتويه هذا السؤال لا بُد من معرفة الأسباب التي تدفع زعماء الدول العربية والأوروبية “باستثناء القليل منهم” إلى استمرار انتقاد الحركة الإسلامية ومساومتها بالتخلي عن برامجها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وضرورة التعايش معه دون المطالبة بحقوقها التي تُقر بها وتعترف الزعامات الأوروبية داخل الغرف المظلمة، سواءً تلك التي تجمعها مع قيادة حركة “حماس” أو مع أطراف أخرى.
هي معادلةٌ تُصيب الإنسان بالحيرة من أمره، في محاولات حثيثة منه ودون انقطاع لمعرفة الأسباب التي تدفع تلك الدول والأنظمة لمخالفة قوانينها التي تدعي الحفاظ عليها والدفاع عنها في كل وقت وحين، وبخاصة في ملفات لعبة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة وغيرها. إن هذه اللافتات التي تدافعُ عنها وبخاصة تلك الدول التي تدعي أنها المؤسسة لتلك الأنظمة “الديمقراطية” جميلةٌ في صياغتها، غير أنها مشوهةٌ للغاية لحظة التطبيق، وبالتحديد حينما يتعلق الأمر بحركة هي الأكبر فلسطينياً مثل “حماس”.
في أول انتخابات برلمانية شاركت بها الحركة الإسلامية عام 2006م شهدت كل الأنظمة الغربية والعربية على نزاهة شديدة لتلك الانتخابات، وأكدوا أن الشعب الفلسطيني يمتلك ثقافة منقطعة النظير في ممارسة هذه اللعبة واختيار ممثليه في البرلمان، غير أن هذه الرؤية تغيرت على الفور حينما تم الإعلان عن الفوز الكبير لحركة “حماس” بتلك الانتخابات، والسؤال: لماذا؟.
هل أثبت فوز تلك الحركة أنها تحارب حقوق الإنسان؟ أم أنكم امتلكتم الأدلة على تدخلها في شئونكم الداخلية وتهديد الديمقراطية الغربية؟ أو ربما أن الأسباب بأن النتائج جاءت على خلاف ما كنتم تخططون له من تدجين الحركة واحتوائها بنسبة ضئيلة تحت قبة البرلمان، وبالتالي منعها من المطالبة بحقوق أبناء شعبها؟ لماذا اتفقت الزعامات العربية والأوروبية على محاربة وحصار حركة “حماس”؟.
هل فكرت تلك الأنظمة بتحويل وجهة أموالها والملايين التي تُنفقها بدلاً من إسقاط الحركة، إلى النهوض بالشعب الفلسطيني والقضاء على فقر وبطالة أبنائه؟ أم أن حقوق الإنسان عندكم يتم تجزئتها بحسب الجنسية التي ينتمي لها الإنسان؟.
إنه من قمة العار أن الدول الأوروبية كتبت في قوانينها وأنظمتها المختلفة بأن “من حق كل شعب مواجهة أي محتل لبلاده وأرضه”، بل وأقرت تلك الأنظمة ضرورة دعم تلك الشعوب بالمال والسلاح حتى طرد ذلك المحتل من بلادها.. فلماذا إذاً تحاربون الشعب الفلسطيني الذي يحصل على السلاح بنفسه في محاربته للاحتلال ودون دعمكم له؟.
في قطاع غزة حدثت المجازر والحروب المختلفة التي أبادت الآلاف على يد الاحتلال الإسرائيلي، ويعاني مليوني إنسان من انعدام الكهرباء والوقود وإعمار بيوتهم التي دمرتها “إسرائيل” وهم ممنوعون من السفر بفعل إغلاق مصر للمعبر الوحيد مع غزة، والسؤال: لماذا لا تُطالب أوروبا والدول العربية باحترام حقوق الإنسان التي تدعي دفاعها المُستميت عنها في بلادها ولا تُطالب بها لأهل غزة وفلسطين؟ وهل تعتقد تلك الأنظمة بأن الشعب الفلسطيني الذي يشاهد تلك الدول عوراء صماء عن معاناته سيحترم ما تُطالب به ذات يوم؟.
احترموا عقول الفلسطينيين “البشر” وابحثوا عن سبيل لوقف معاناتهم ومنحهم حقوقهم التي تجاهلتموها لعقود من الزمن؛ حتى يتحقق السلم والعدالة الاجتماعية في العالم، وما دون ذلك فكونوا على يقين بأنه لن ينعم أحدٌ بالخير ما لم ينعم به الشعب الفلسطيني.