في مساء يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر ديسمبر عام 2015م وبدون مقدمات خرجت رسالة نصية ووصلت للصحفيين والإعلاميين كانت كفيلة بوقف البرامج والفقرات المختلفة في وسائلهم الإعلامية وبدء رحلةٍ من الاتصال والتواصل مع المصادر المختلفة بهدف التقاط طرف خيط وتحقيق سبقٍ يُحسب للوسيلة الإعلامية التي يعمل فيها هذا الصحفي أو ذاك.1
إن رسالةً تصل من القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف ستجعل من كل وسيلة إعلامية تتجاهلها لا تتقن فن تحقيق الشهرة والمتابعة لتلك الوسيلة، بل إن من شأن تجاهل أي وسيلة كانت لمثل هذه الرسائل سيجعل المتابعين لتلك الوسيلة ينفضون من حولها، لمتابعة ما يحمله شخص مثل “الضيف” في جعبته من مفاجآت عبر وسائل أخرى، فهذا ما عهدته عنه مختلف الأطراف.
الرسالة الأولى التي تم عنوتها بقول الضيف “سُمح بالنشر” اكتفت بالقول أن الساعات المقبلة ستحمل تفاصيل جديدة تتعلق بالعملية الأضخم والأكبر في تاريخ القضية الفلسطينية خلال صراعها مع الاحتلال الإسرائيلي، ولا يوجد عملية أكبر بكل تأكيد من تلك التي نفذتها المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب القسام قبل نحو عشرة أعوام وأسرت من خلالها الجندي الإسرائيلي “جلعاد شاليط” من داخل دبابته المتوغلة في حدود غزة، واحتفظت به طوال هذه الفترة، ولم ترضخ أو تفشل في كتم سره على مدار أعوام احتجازه الخمسة في بقعة صغيرة مثل قطاع غزة، إلى أن انتهت بإرغام الاحتلال الإسرائيلي على القبول بشروط المقاومة الفلسطينية والإفراج عن مئات الأسرى والأسيرات في مشهد فرحٍ لم يحيا مثله الشعب الفلسطيني طوال فترة صراعه مع الاحتلال.
توالت الرسائل بعد ذلك من القائد “الضيف” وكلها عنونها بـ” سُمح بالنشر” ومنها ا كان نصياً أو مرئياً، وحسب ما كُشف عنه ففي جعبة كتائب القسام الكثير من الأوراق التي تختار الوقت المناسب لتحريكها فيه بهدف تحقيق أهداف تسعى لها وفق خطط يبدو أنها تُطبقها بدقةٍ متناهية.
وبالعودة إلى المعلومات البسيطة التي كشفت عنها كتائب القسام وأشغلت المتابعين لأخبار المقاومة الفلسطينية بها، وسواء كانوا من الفلسطينيين أو العرب والإسرائيليين، بل والمتحالفين مع “إسرائيل” يمكن تسجيل النقاط التالية:
جاء الإعلان عن هذه التفاصيل والمعلومات مع نهاية العام الجاري 2015م، لتؤكد كتائب القسام بأنها تمتلك الإمكانيات وعلى طريقتها الخاصة التي تجعلها تحتفل بانتهاء هذا العام وبدء عام جديد، وفي الإعلان إصرار على النهج السابق واستفتاح للعام الجديد بالتأكيد على تلك الخطوات التي انتهجتها كتائب القسام في تحرير الأسرى، وإمكانية تكرارها دون الخشية من الثمن الذي قد تقدمه المقاومة الفلسطينية.
جاء إعلان كتائب القسام بعد سنوات من إغلاق الاحتلال الإسرائيلي لملف جنديه الذي أسرته المقاومة الفلسطينية “جلعاد شاليط” دون معرفة مكان احتجازه أو أيٍ من المسئولين عن إخفائه، فكشف “الضيف” عن أسماء بعض المشاركين في احتجازه بشكل مباشر وقد وصلوا إلى خمسة “حسب آخر إعلان للقسام”، ليقول للعدو الإسرائيلي بأنه كان يتعامل بأريحية تامة خلال أسر “شاليط” فقام بحمايته أكثر من شخص دون تمكن الاحتلال الإسرائيلي بكافة وسائله من اختراقهم والوصول إليهم رغم ملايين الدولارات التي أعلنها كإغراء لمن يدل عن مكان “شاليط”.
الإعلان حمل خلاله ضربة أمنية وجهتها مرة أخرى كتائب القسام لأجهزة استخبارات الاحتلال الإسرائيلي، فهؤلاء الشباب الذين احتجزوا “شاليط” مارسوا حياتهم بشكل طبيعي ولم يطرأ عليها أي تغيير وما شهادات ذويهم إلا خير دليل على ذلك، وهذا يعني أن كل الحروب التي خاضها الاحتلال والذين اعتقلهم من غزة والجواسيس الذين عملوا على مدار الساعة، كل ذلك لم يمكنه من الوصول إلى طرف خيط بشأن “شاليط” حتى بعد مرور سنوات من تحريره، فكان لا بُد من ضربة يوجهها القسام لمختلف الأطراف، يكون نصها “إن أغلقت إسرائيل ملف شاليط منفردةً، فنحنُ لا يزال الملف مفتوحاً من جانبنا، لكننا نقرأ تفاصيل ما في سطوره بكل تأنٍ وروية وننشر ما نراه مناسباً في الوقت المناسب”.
الصور التي نشرتها كتائب القسام سددت ضربةً لكل أجهزة الاحتلال مجتمعة، وأعادت إلى الواجهة هذه القضية؛ لتُثبت صدق الرواية الفلسطينية على عكس كذب الاحتلال وتزويره للحقائق، وهذا من شأنه جعل المستوطن الإسرائيلي لأرض فلسطين يعيش حالة الشك في أمنه على تراب بلادنا، فالجندي الإسرائيلي “شاليط” كذب حينما أخبرهم بأنه لم يكن يشاهد وجوه محتجزيه وكان حزيناً لدى أسره وكل هذه الأباطيل، فما ظهر خلال ثوانٍ معدودة أظهر أن محتجزيه تعاملوا معه بوجوههم وبكامل الإنسانية، كما ظهرت الابتسامة وقد سيطرت على كامل تقاطيع وجهه، وهذا ينسف روايته وعليه الخضوع على ما يبدو لتحقيق جديد لدى أجهزة أمن حكومته.
إن كتائب القسام بهذا الإعلان تكون قد أوصلت رسائل بمختلف الاتجاهات، مع تركها كل جهة تفسر وتحلل ما بين السطور بطريقتها الخاصة، فتوقيت الإعلان في ظل ما تعانيه غزة من اشتداد الحصار وإحكام إغلاق معبر رفح، ومحاربة السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي لانتفاضة القدس بالضفة المحتلة، واستمرار حملات القتل والاعتقال الذي تمارسه قوات الاحتلال بحق محرري صفقة وفاء الأحرار وتكتمها في الحديث عن جنودها المفقودين خلال حرب عام 2014م وخوض لعبة العض على الأصابع مع كتائب القسام، كلها أطراف ومستجدات تتشابك مع بعضها البعض، وتأكيداً فإن ما سمح “الضيف” بنشره سيكون الدافع لكل تلك الأطراف لعقد الكثير من ورش العمل لدراسة فحوى وتوقيت ودوافع محمد الضيف في هذا الوقت تحديداً.
إن التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس المكر والخداع أكثر من أي مجتمع من المجتمعات في العالم وقد مارس ذلك وأفلح في التغرير بالسلطة الفلسطينية على مدار عقود من الزمن يحتاج لحنكة ودهاء ومكر لا يقل عنه؛ حتى يفلح في إعادة القضية الفلسطينية إلى مكانها الذي تستحقه، ويبدو أن “أبو خالد” محمد الضيف وإخوانه قد نجحو في أداء هذه المهمة على الوجه الأمثل خلال الفصول المختلفة من تاريخ الشعب والقضية الفلسطينية.