منذ أن اشتعلت شرارة انتفاضة القدس في الضفة الغربية والقدس المحتلة في الأول من أكتوبر من العام الجاري 2015م، شهدت الساحة الفلسطينية حالة تحشيد منقطعة النظير في سبيل انخراط أكبر قطاعات فلسطينية ضمن فعاليات هذه الانتفاضة، على أملٍ منهم بأن تكون بمثابة جسر النجاة للقضية الفلسطينية التي تقطعت بها السُبل فباتت داخل بحر لُجيٍ أمواجه متلاطمة وشواطئ نجاته بعيدة.11
كان الأمل بأن تكون هذه الانتفاضة أداة لتوحيد الشعب الفلسطيني، غير أنها وبعد أن مرت بعض أيامها ظهر جلياً بأن بعض الأطراف الفلسطينية عملت جاهدة على حرف بوصلتها، بل وتحويلها أداة للمزايدات السياسية، وهي بذلك وإن لم تنجح بإيقاف فصولها المتواصلة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فسوف تكون سبباً مباشراً على الأقل في تردد الكثير من القطاعات الفلسطينية وإحجامهم عن المشاركة في فعالياتها وصولاً لتحقيق أهدافها المرجوة.
وعلى مدار أحد عشر شهراً “هي عُمر تلك الانتفاضة”، طالبت قطاعات فلسطينية بضرورة إبقاء الانتفاضة مشتعلة في مدن وقرى وبلدات الضفة الغربية واستثناء غزة من هذه المعادلة، على اعتبار أن تركيزها في الضفة من شأنه تحقيق نتائج أفضل ولديهم في ذلك مبررات مختلفة، كما أن غزة ليست بحاجة لإثبات ذاتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعليها أن تتعافى من جراح الحرب الماضية التي واجهت فيها المحتل طوال واحد وخمسين يوماً، لتستعد لمواجهة مقبلة مع هذا الاحتلال.
وعلى الرغم من كون هذا القطاع من الشعب الفلسطيني هو الأوسع والأكثر شعبيةً، إلا أن قطاعاً آخر طالب في أكثر من مرة بضرورة إشعال نقاط مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، وهو يُبرر ذلك بأن “غزة لا يُمكن لها أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تُشاهد غطرسة جنود الاحتلال في الضفة”، وفي سبيل ذلك قاموا بتوجيه المسيرات المختلفة صوب الأسلاك الفاصلة بمناطق مختلفة من شرق وشمال قطاع غزة، فارتقى الشهداء والمصابون بالمئات ولا يزالون. بعض قادة الفصائل وبخاصة اليسارية منها يخرج مجعجعا عبر مُكبرات الصوت للمطالبة بالتوجه للاشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي على نقاط الاحتلال بغزة، لكن وللأمانة ففي وقت المواجهة تراه يغيب عن المشهد تماماً ولا يظهر له أثر.
في كل يوم جمعة يتوجه العشرات من الشُبان صوب المناطق الحدودية ويبدؤون بقذف قوات الاحتلال الإسرائيلي بالحجارة، فترد عليهم بإطلاق النار فتقتل من تشاء وتُصيب آخرين، والأجهزة الأمنية الفلسطينية في غزة لا تقوم بدورها خشية أن يجلدها منظمو تلك المسيرات وينعتوها بـ” الخيانة وحماية العدو الإسرائيلي” كما تقوم به نظيرتها في الضفة الغربية المحتلة، أما على الجانب الآخر، فمستشفيات غزة تكون على مشهد بات اعتيادي بالنسبة لها بعد عصر كل يوم جمعة لاستقبال عشرات الشبان في ريعان شبابهم، وقد حولتهم رصاصات الاحتلال التي يتم اختيار أماكن الإصابة لها بدقة في أجسام أولئك الشبان، وقد حولتهم إلى “معاقين” و “ذوي احتياجات خاصة”.
لو أن الله تعالى ابتلاني بقيادة هذا البلد، فسوف أقوم بالعديد من الخطوات في هذا الإطار دون النظر إلى جعجعة بعض المزاودين في سوق الشرف والوطنية:
إصدار قرار بمنع وصول الشبان أو غيرهم إلى الحدود، ومحاسبة من يدعوهم للمشاركة في مواجهة لن تحقق أدنى نتيجة للقضية الفلسطينية باستثناء زيادة في أعداد الشهداء والمعاقين.
إن قام أحد المسئولين بالدعوة لمثل هذه الفعاليات فسيكون التصرف يتمثل بإجباره على أن يكون بصحبة أبنائه وأفراد عائلته أمام المشاركين في تلك المسيرات، مع إبقاء عناصر الشرطة من خلفه، فإن فكر في ترك أبناء الناس في المكان ومحاولة الفرار قامت عناصر الأمن بتأديبه في المكان بالطريقة التي تناسبه.
إن قامت بعض وسائل الإعلام ببث رسائل التخوين والتشويه المناقضة تماماً لمطالبة غالبية أبناء الشعب الفلسطيني وفصائله، فسيتم التعامل معها بحسب رغبة المواطن الفلسطيني الذي يسعى لتحرير وطنه من دنس الاحتلال والنهوض به، وبكل تأكيد فوجود أعداد كبيرة من ذوي “الاحتياجات الخاصة” و “المعاقين” في صفوفه سيكون سبباً أساسياً في تأخير نهضة البلد.
إن ما يُدمي القلب أيها السادة مشهد المصابين والجرحى خلال وصولهم لمستشفيات قطاع غزة في كل يوم جمعة، وهو مشهد بكل تأكيد لا يُشاهده من يُطالب أولئك الشباب “عماد أي بلد يسعى للنهوض من وحل النوم ومعسكر الكيانات النامية” بالتوجه للقتل أو الإعاقة في أحسن الأوقات وبلا ثمن، بينما يغيب عن ساحة المواجهة ذلك المسئول، وهو الذي لم يتحرك أيضاً للضغط على حكومة الدكتور رامي الحمد الله للقيام بمهماها الطبيعية تجاه مستشفيات قطاع غزة، التي تُعاني غياب الأدوية والمهمات الطبية وسائر أشكال الاهتمام، بل حتى مباني المستشفيات تساقط بعضها لتهالكه على رؤوس المرضى ولم يُكلف رئيس الحكومة أو زعماء تلك الفصائل أنفسهم بزيارة مستشفى الشفاء كـ” أكبر مستشفى في غزة” لمعرفة خطته في مواجهة إخلاء قسم الولادة من ذلك المبنى الذي سقطت أجزاء منه على رؤوس المرضى، والتعرف على حقيقة إن كان المشفى قادر على بناء هذا القسم أم لا.
إن الأجهزة الأمنية تتحمل المسئولية الكاملة تجاه شبابنا وأبنائنا، ويجب عليها الوقوف في وجههم ومنعهم من زيادة أعداد المعاقين في بيوتنا والذي وصل للآلاف بفعل إجرام الاحتلال الإسرائيلي في حروبه المختلفة على غزة، وأنا لا حكمة من ترك تهور أولئك الشباب من قبل أجهزة الأمن الفلسطيني خشيةً من جعجعة قد يقوم بها بعض المأجورين في عددٍ من وسائل الإعلام الفلسطينية، وكان الأولى بهم أن دفعوا المواطن الفلسطيني للتعرف على بطولاتهم خلال العدوان على غزة عام 2015م، أم أنهم لم يكونوا يستطيعون المواجهة في ذلك الوقت؟.