آخر صرعة ..المقاومة بالرقص !!

نشر 21 ابريل 2008 | 12:16

 

عبر التاريخ الطويل تميز الشعب الفلسطيني باجتراح المعجزات ومفاجأة الآخرين وقلب توقعاتهم رأسا على عقب ، والوقائع والشواهد على ذلك أكثر من أن تعد ، ولطالما اشتكى أبناء هذا الشعب -خاصة في العقدين الأخيرين- من تركَِهم وحيدين في مواجهة الاحتلال من قبل الأنظمة ، اللهم إلا من بعض الغيارى من الشعوب الذين يتحرقون ألما أو يتحركون بشكل أو بآخر نصرة لقضية العرب والمسلمين ( فلسطين ) ، ولطالما ترددت في مجالسنا ومنتدياتنا مقولات من قبيل : لا أحد يشعر بنا .. نحن وحدنا وليس لنا إلا الله .. نحن في واد والعرب في واد آخر.. نحن تحت القصف والقتل ومنع التجول والسجن ، والعرب يسهرون ويسمرون في حفلاتهم ومهرجاناتهم حتى الصباح ..والكثير الكثير من المقولات التي تعبر عن إحباطنا وشعورنا بالغربة والوحدة والخذلان،  ونشعر أن هذا مرض استشرى في جسد الأمة جميعا إلا من رحم الله .
 
ولكن يبدو اليوم أن هذا المرض العربي امتد بالعدوى لبعض أبناء فلسطين – بفعل عروبيتهم – وأصبحوا تبعا لذلك يقدمون المفاجآت – بفعل فلسطينيتهم – وهذه المرة على طريقتهم الخاصة في المفاجآت ولعل أبرز تجلياتها ما سمي – بمهرجان الرقص المعاصر – بل هو ملتقى للرقص العالمي حيث تشارك فيه أربعة عشرة فرقة راقصة من مختلف أنحاء العالم بينها فرقة فلسطينية واحدة ..
 
كلام قد يثير استغراب الكثيرين خاصة في هذا الوقت العصيب ، ولكن الأغرب أن يصرح بعض القائمين على هذا المهرجان عن التناقض بين إقامة هذا المهرجان الراقص في الوقت الذي يقام فيه مهرجان للدم في غزة ولا تسلم منه الضفة !! فكانت الإجابة أنه لا تناقض في الحالتين لأن ما يجري في غزة مقاومة ، وما يجري هنا ( المهرجان ) نوع من المقاومة !! لأن المقاومة ليست نوعا واحدا ...
 
أي أن المهرجان سيقدم رسالة مقاومة !!
 

 إذن نحن أمام نوع جديد من المقاومة سيربك الاحتلال ويقلب حساباته ، لأنه اعتاد على مقاومة هز البنادق ولم يعتد على مقاومة هز الوسط !! التي تعتمد على وسط مطاطي يطلق قذائف من عيار slow  و makarina مع وصلة صاخبة من موسيقى (البوب) المرعبة للاحتلال !!

 وربما يكون هناك بعض أساليب المقاومة الحديثة أتى بها الراقصون عفوا (المقاومون( القادمون من بلاد الله الواسعة.
 
مقاومة فات الشهداء والجرحى والأسرى واللاجئون التعرف عليها  لتحرير أوطانهم ، ولو عرفوها لحفظوا عليهم أرواحهم وسلامة أجسادهم وسنوات أعمارهم ودموع أحبائهم .
 
سبحان الله ، حقا نحن نعيش في عصر السرعة ، حتى الاحتلال الذي كان يحتاج عشرات وربما مئات السنوات لدحره ، أصبح مصيره معلقا ( برقصة عصرية ) تخلصنا من آثامه وتريحنا من شروره دون أي تكلفة اللهم إلا هزة وسط أو ضربة قدم مصحوبة ببعض التصفيق !!
 
أهكذا تكون المقاومة، مقاومة بالرقص !! هل هذا رقص للجراح أم رقص عليها ؟
 
أهكذا تحترم الدماء المسفوكة والأرواح المزهقة والطفولة الشهيدة في غزة والضفة ؟
 
ماذا سيقول الآخرون عنا ، بل ما هو موقف الداعين لنصرتنا والتعاطف معنا وبأي لسان سيدعون الناس لذلك ، كيف يدعون ويدعمون ويبكون ويألمون .. بل كيف يشاركون في بيت عزاء صاحبه يرقص !!
 
لست ادري ، هل ربط المهرجان الراقص بالمقاومة غباء أم استغباء ؟
 
أو لا يدري أصحاب المقاومة الراقصة أنهم يثبطون الناس وينفرونهم عن مناصرتنا ودعم قضيتنا في وقت أحوج ما يكون فيه شعبنا للوقوف بجانبه وهو يرزح تحت حصار لم يشهد التاريخ له مثيلا ..
 
إن كنتم - أيها السادة - تدرون أو لا تدرون فاعلموا أن فعلتكم هذه تشكل طعنة نجلاء في خاصرة شعب لا تنقصه الطعنات ولا الجراحات..
 
وصدق من قال: ان كنت لا تدري فتلك مصيبة   أو كنت تدري فالمصيبة أعظم.
 
 كان جديرا بكم - أيها السادة- أن تكونوا صادقين مع أنفسكم ومع الناس وأن تقولوا بصريح العبارة : نريد الرقص وليس لأحد عندنا شيء، ، ولا يعنينا ما يجري في غزة أو في غيرها.. هكذا بمنتهى الصراحة !!
 
 أما أن تغلفوا رقصكم بالمقاومة بحجة أنكم ستقدمون فقرات تراثية فهذا أمر يأباه كل حر غيور، ولا ينطلي على طفل صغير.
 

وأخيرا أيها السادة : نعلم أن للمقاومة أشكالا عدة فالفن النبيل والأدب الهادف والقلم الشريف والريشة الصادقة.. مقاومة ، فقد قاوم (ناجي العلي( بريشته ودفع دمه ثمنا لذلك وقاوم كنفاني بقلمه ودفع الثمن من دمه أيضا ، وقاوم (أبو عرب) بشعره  وقدم ابنه كذلك ، والقائمة تطول ..

ألوان من المقاومة يخشاها الاحتلال لأنها تقود إلى المقاومة الأسمى وهي المقارعة المباشرة لهذا الاحتلال الغاصب..
 
الاحتلال يغتال المقاومين بشتى أصنافهم ويضعهم على لائحة ما يسمى (الإرهاب) ، ولو كان الرقص والغناء العابث مقاومة، لرأينا الاحتلال يحظر فرق الرقص ويلاحق أفرادها ، وينصب الكمائن (لأبطال السوبر ستار )، ويلاحق( أسود ستار أكاديمي( ( ولبؤات عالهوا سوا )، ويضع قائمة لاغتيال فلانة وفلانة لأنهن من أبرز الراقصات عفوا ( المقاومات ) في عالمنا العربي حسب تعريفكم، مع الاعتذار للمقاومة .
 

وأخيرا... ترى لو قتل لشخص ما ابن عم وأقام ابن عم القتيل حفل زفاف راقص في يوم مقتل ابن عمه ، أكان يعذره الناس أو يغفرون له  ؟ حتى لو امتلأ الحفل تمجيدا لابن العم القتيل !!

 فكيف إذا كان القتيل شقيقه؟!!