جواسيس خمس نجوم؟!

نشر 13 ديسمبر 2015 | 10:58

حين تكون الدولة قوية ومؤثرة، يكون جواسيسها أقوياء، وحين يتمّ إلقاء القبض عليهم بجريمة الخيانة والتخابر، ينزلون في سجن بدرجة (خمس نجوم)، ويحظون بمعاملة إنسانية راقية، وتستجيب إدارة السجن لكل طلباتهم. في هذا الأسبوع عرضت علينا وسائل الإعلام إطلاق سراح جاسوسين إسرائيليين، أحدهما هو (جونثال بولارد)، والآخر (عودة الترابين).

 

يقول (الترابين) للقناة الثانية العبرية بعد الإفراج عنه من سجون مصر: لقد كانت المعاملة معي "مثالية" لكوني "إسرائيليًا"؟!!!!!، وقال: "كنت أتمتع بظروف اعتقال تضاهي ظروف اعتقال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك؟!!!!". و"لقد زودوا غرفتي بثلاجة. هذا التعامل لم يحظَ به أحد إلا مبارك وأنا؟!!!، لقد كانوا يعاملونني بمنتهى الاحترام والحساسية"، وعزا الترابين المعاملة التمييزية لصالحه للدور الذي أدته السفارة الإسرائيلية في القاهرة؟!، وقال: "إنه كان يلاحظ المعاملة بالغة القسوة التي كانت تتعامل بها إدارات السجون المصرية مع المعتقلين المصريين، مشددًا على أن الفضل في ذلك يرجع "لكوني إسرائيليًّا وبسبب حرص دولتي على متابعة شؤوني".

 

حسنًا هذا ما قاله الترابين، بينما نشرت وسائل الإعلام صورة مثيرة للقلق (لسعد الدين الكتاتني)، رئيس مجلس الشعب المصري، وقد تبدلت أحواله، ونقص وزنة للنصف، وبدت عليه ملامح التعذيب، وسوء المعاملة، دولة تعذب قادتها وكبراءها، وتمنعهم حقوقهم الأساسية في ظروف اعتقال قاسية جدًّا، بينما تعامل جاسوسًا إسرائيليًّا أقرّ بخيانته معاملة خمس نجوم، لأنه إسرائيلي الهوية؟!، هل باتت الهوية الإسرائيلية أميز وأفضل من الهوية الوطنية المصرية؟! المصري يعذب بقسوة، والإسرائيلي ثلاجة وجرائد بلده يوميًّا ومعاملة خمس نجوم؟!!!.

 

وخبر الجاسوس الآخر يتعلق بـ(جونثال بولارد) المواطن الأمريكي اليهودي، الذي عمل في جهاز الاستخبارات التابع للأسطول الأمريكي، وقام بتسريب (مليون) وثيقة سرية لإسرائيل، في أكبر خيانة وطنية عرفتها أميركا، وسجن بسببها بحكم (مؤبد مدى الحياة)، ولكن حكومات تل أبيب ظلت تتابع قضيته، وتطالب بالإفراج عنه، بعد أن منحته جنسية إسرائيلية، حتى استجاب لطلبها الرئيس أوباما مؤخرًا، وقرر العفو عنه بعد أن أمضى (٢٥) سنة رهن الاعتقال في سجن من خمس نجوم أيضًا، لأنه يهودي.

 

(بولارد) يهودي، وهو مواطن أمريكي، ويعمل في منصب خطير وحساس، ولكنه صاحب (ولاء مزدوج)، وقد ضحى بأسرار وطنه أميركا من أجل وطنه الأول (إسرائيل)، مشكلة (الولاء المزدوج) مشكلة حقيقية عند يهود أميركا، وتكاد تجمع الإدارات الأميركية المتعاقبة على وجود هذه المشكلة عند يهود أميركا، لذا ربما كان الحكم المؤبد لبولارد ينبع من هذه المعرفة، التي اقتضت أشد العقوبات.

 

لا أحد في أوروبا وأميركا يطمئن لحالة الولاء عند اليهود، وربما كانت هذه المشكلة أحد أسباب معاناة اليهود في أوروبا وبالذات في ألمانيا في فترة الحرب العالمية الثانية، ولا اعتقد أن تغييرًا جوهريًّا طرأ على مشكلة الولاء هذه، فيهود اليوم هم يهود الأمس، بل هم اليوم يحظون برعاية دولة (إسرائيل) المدللة عالميًّا.

 

لم تستطع إدارة أوباما مواصلة حبس بولارد مدى الحياة تطبيقًا لحكم المحكمة، بسبب الضغوط الإسرائيلية، وضغوط اللوبي الصهيوني في أميركا، فاكتفى أوباما بالمدة آنفة الذكر، وأصدر عفوًا، لا يمكن أن يحظى به جاسوس أميركي آخر يتعامل مع دولة خارجية أخرى غير إسرائيل؟!!!. بولارد خارج السجن، وعودة الترابين خارج السجن، وعشرات غيرهم يسرحون ويمرحون في عواصم الشرق الأوسط، وأوربا، وأميركا. وأخيرًا وليس آخرًا فإن ملخص القصة يقول: (القوي عايب؟!).

 

ولم ينفِ الترابين خلال المقابلة أنه كان عميلا لـ"إسرائيل"، في حين نقلت القناة عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها: "إن والده كان عميلاً لـ"إسرائيل" وقدم خلال وجوده في سيناء في سبعينيات القرن الماضي خدمات أمنية بالغة الأهمية، قبل أن يفر لـ"إسرائيل" ويستقر في صحراء النقب".

 

وقد أقر النائب الليكودي الدرزي أيوب قرا، الذي تابع قضية الترابين بأن صعود السيسي للحكم قد أسهم كثيرًا في وضع حد لاعتقال الترابين، مشددًا على أن المصريين طالبوا المستويات الرسمية في "إسرائيل" بخفض مستوى الاهتمام الإعلامي بقضية الترابين، حتى لا يفسر الإفراج عنه أنه جاء تحت ضغط الرأي العام في "إسرائيل".

 

من ناحيته نوه المعلق العسكري في قناة التلفزة الثانية، روني دانئيل، إلى أن الترابين كان يفترض أن يطلق سراحه تمامًا بعد صعود السيسي للحكم، إلا أن مظاهرة نظمها بعض الإسرائيليين أمام السفارة المصرية في تل أبيب في ذلك الوقت أعاقت الإفراج عنه، حيث خشي نظام السيسي أن يتم تفسير الأمر على أنه استجابة لضغوط الإسرائيليين.

 

وقد حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على استقبال عودة الترابين بعد الإفراج عنه في ديوانه في القدس المحتلة.

 

يذكر أن "إسرائيل" قد مارست ضغوطًا على حكم مبارك ونجحت في تأمين إطلاق سراح العميل الإسرائيلي الدرزي عزام عزام عام 2004، حيث أمضى في السجن 8 سنوات، على الرغم من أنه قد صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 15 عامًا، بعد إدانته بأعمال تجسس بالغة الخطورة.