كان لسقوط الطائرة الروسية فوق سيناء بعد إقلاعها بعشرين دقيقة من شرم الشيخ بمصر، دويٌّ أعلى من صوت انفجارها وارتطامها بأرض سيناء، وكان لسقوطها من التداعيات ما فاق كل حسبان وكل توقع.. أما على صعيد مصر فخسائر لا تُقدّر على قطاع السياحة الذي هو ثاني أهم موارد مصر بعد القناة.. وعلى صعيد الشركات الروسية للسياحة خسائر بالملايين والتحلل من عقود ستربكهم وتفقدهم مصداقيتهم وربما تتسبب في إفلاس عدد منها.. وعزلة سياسية لمصر ونظام مصر. ثم كثرت الدلاء المدلاة في بئر هذه المأساة العميقة.. كلٌّ يدلي بدلوه وكلٌّ يحلل حسب هواه. وهناك من نسب لنفسه إسقاطها منذ الوهلة الأولى، وهنا عقدة هذا الموضوع الذي نتكلم فيه.
ودعونا قبل الحديث عمّن أسقط الطائرة وتوقّعه وتوجيه الإصبع بالإشارة إليه.. دعونا نعد إلى الوراء أكثر من عشرين سنة، إلى تفجير الخُبَر الذي تلقّى بن لادن عنه الخبر أن عناصر قاعدته هي التي قامت بالعمل، أي بتفجير الخُبَر فسارع بن لادن لتبنّي العملية ولا أدري سمّاها غزوة الخُبَر أم لم يسمّها، وظلّت التهمة ملتصقة بالقاعدة وظلت في سجلات إنجازات القاعدة كما قد يعدّونها ويفاخرون بها، إلى أن اكتشفت الجهات المعنية بالتحقيق محلية أو عالمية أو اكتشفت بمحض الصدفة الفاعل الحقيقي لتفجير الخُبَر ليتبين أنه من الشيعة الذين هم نقيض القاعدة كما يبدو، وتبين أن تبني العملية كان خطأً وخاطئاً.. لأنه قطع الطريق على التحقيق والتنقيب عن الفاعل الحقيقي الذي هو عدو القاعدة في ما تظهر أدبياتها.
ومن عجائب الموافقات في حادث الطائرة الروسية أن أول من اكتشف المكالمة (المدّعاة) هو دولة العدوان إسرائيل وأول من اكتشف حطام الطائرة هو إسرائيل أيضاً وهي التي حددت مكانها بالضبط، وعلمنا من الخبر أن طائرات الاستطلاع بدون طيار الإسرائيلية لا تغادر سماء سيناء إن بتنسيق وإن بغير تنسيق، وأن أول من تكلم بعد إسرائيل بريطانيا وأمريكا.. وعندما تكلمت مصر لأول مرة بعد الحادث مباشرة قالت: إن الطائرة سقطت فوق تركيا. نعود إلى قول إسرائيل إنها التقطت مكالمة إلكترونية أو صوتية من تنظيم الدولة في سيناء إلى قيادتهم في سوريا تخبرهم أو تبشرهم أنهم هم من فعلها، فأعلن التنظيم من دمشق أنه وراء العملية.. ثم حدد الإعلام شخصاً بعينه مصري يتردد كثيراً على غزة كما زعموا علماً بأن التنظيم يكفّر غزة وقيادتها، وقد يكون الخبر أن مكالمة صدرت كما أذاعت إسرائيل أو اتصال حدث قد يكون صحيحاً وقد لا يكون صحيحاً، ولاحظ أن التبني من تنظيم هو أحد أبناء القاعدة كتبني الأم من قبل أقل من ربع قرن حدثاً مشابهاً.. فما أشبه الليلة بالبارحة.
ولن نقف طويلاً عند هذا. لكن لنقف بتأنٍ عند تصريحات آشتون كارتر الذي هاجم روسيا بعنف غير مسبوق في وقت فيه العواطف مشبوبة مهتاجة متألمة، وقال: إن أمريكا لا تريد أن تحارب روسيا مع أن روسيا تصبّ النار على الزيت في سوريا وتريد أن تجرّ العالم إلى صدام. ونسأل: من الذي ذكر الحرب أصلاً أو أشار إليها أو توقعها حتى يلمّح إليها آشتون كارتر؟
فللتنظيم الأم القاعدة سوابق في التبني بلا دليل ولا حقيقة، وللتنظيم الابن أو البنت سوابق سوى هذه السابقة، وأنهم بلعوا الطعم. وأرى أن روسيا تتكتم على معلومات عمّن أسقط الطائرة، ولم نر انفعالاً على داعش ولا تشديد قصف.
وإن كانت مصر ضحية الإرهاب فلماذا تُعامل بهذه الحدة والقسوة بسحب عشرات آلاف السياح ووقف الرحلات وتعريض سمعتها للتدهور إلى الحضيض؟ أما كان يكفي أن تشدد الإجراءات وتزوَّد مصر بكواشف أحدث في يوم واحد وتُستأنف السياحة كما كانت.. لكنها عوقبت عقاباً قاسياً جعلها في عزلة وخسائر لا تُحتمل.. كل هذا وهي ضحية الإرهاب..
لا نستطيع في مثل هذه المسائل الجزم، ولكن هذه قوى كبرى تتطاحن، وبوتين خطف الأضواء من أمريكا ورئيسها، ورسم كاريكاتيري في مجلة لبنانية يصوّر تبدّل موازين القوى في صورة قالب كيك على الطاولة أمام بوتين ممسكاً بسكين وأوباما قد أنزل يديه وقد قطع بوتين قطعة صغيرة جداً من الكعكة التي هي سوريا والشرق الأوسط بالطبع، وقال لأوباما: هذه لك، وهذه (أي الكعكة) لي، انتهى زمن الـــ»فيفتي فيفتي».
أمريكا لا تسلّم ببساطة أن تُقتلع من سوريا ومن الشرق الأوسط قطعة قطعة، فاليوم سوريا والمفاوضات جارية بين الثعلب الإيراني والدب الروسي لجلب روسيا إلى العراق بعد سوريا، وقد قطعت المفاوضات شوطاً بعيداً حتى بات كأنه بين عشية أو ضحاها سنسمع اشتراك روسيا في حرب العراق، معنى هذا أن أمريكا يوشك أن تكون لاعباً متقاعداً في المنطقة أو تتحول إلى متفرج في الملاعب لا اللاعب الأقوى على الملاعب الخضراء أو الصحراء العربية.
فإذا انطلقنا من نظرية من المستفيد الأول إن لم يكن الأوحد ومن لهجة كارتر التي ارتفعت مرة واحدة، ومن التنفيذ الدقيق المتقن الذي يفوق قدرة هذا التنظيم وضممنا إلى ذلك من تجربة الصراع في المنطقة وجود حوادث مماثلة ومشابهة أمكننا القول إن أمريكا وأجهزة استخباراتها يجب أن توضع في الاحتمال الأول، وما تبني التنظيم للعملية إلا ادعاء بطولة، وأنه دخل مرحلة العالمية وحلبة الصراع على مستوى القوى الكبرى وأنه دخل في تطور نوعي في عملياته ليضفي على نفسه هالة ولو مزورة.
وهل كانت مصر متورطة مع سي آي إيه في التدبير للعملية أم أنها أرض الملعب فقط؟ وإعلان ناطقها عن سقوط الطائرة فوق تركيا هل هو -بطريقة غير مباشرة- كشف للهدف من العملية وهو إحراج تركيا أو توريطها في حرب مع روسيا لإضعاف البلدين خاصة بعد النجاح المدوي لحزب العدالة والتنمية، وعوّدنا التنظيم إياه على التغطية على جرائم دولية ومحلية بخطة تأبط شرّاً، أي بأن يدّعي بطولةَ فعلها وشرف القيام بها (أو قرفه) فكم غطّى على جرائم النظام السوري وكم غطّى على نظام الملالي، وتفجير سامراء الذي أُلصق بالقاعدة ليس وراءه إلا إيران.
على كل حال فإن الذي نحذر منه أن تكون هذه النسبة التي نرجّح أنها مزورة أن تكون تمويهاً على الفاعل الحقيقي وليس مستبعداً أنّ التنظيم يعمل لمثل هذا الغرض وإذا علمنا أن الشكوك في نشأته تشير إلى هذا لم نستبعد أن تكون العملية أو ادعاؤها تغطية وتمويهاً لنكتشف الحقيقة بعد ثلاثين سنة عندما تكشف الوثائق الحقائق أو تهرب على طريقة ويكيليكس ونعرف من الفاعل الحقيقي، ويكون الشعب العربي والأمة الإسلامية قد شُوّهت صورتهم واستفاد خصومهم من هذا التشويه، وفرّ المجرم من العقاب على جريمته ببركة التمويه، وكم يخدم المغفلون الشريرين الأذكياء من حيث يحتسبون أو لا يحتسبون!