تفجيرات باريس أول من أمس, ليست حدثًا عاديًّا يمكن أن تمر عليه فرنسا مرور الكرام. التفجيرات حدث كبير زلزل مبادئ أمنية وغير أمنية في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية. فرنسا تغلق حدودها لأول مرة، وتفرض حالة شاملة من الطوارئ، وتشدد الإجراءات الأمنية في كافة المطارات، والقطارات، والمواقع.
مجموع ضحايا التفجيرات كبير، وأعداد الجرحى أكبر، وهذا مهم ومؤلم، ولكنه ليس الأهم في المشهد الفرنسي، إذ الأهم يبدو أكثر ارتباطًا بالمستقبل، أعني بأمن فرنسا، وبتداعيات التفجيرات على المواطن الغربي، وسياسات الدول الغربية الخارجية.
لا علاقة للتفجيرات العشوائية هذه بالإسلام كدعوة، ودين. ولم يقل من قام بالتفجيرات إنه يستهدف نشر الإسلام، ولكنه قال إنه (ينتقم) من فرنسا لأعمالها العدوانية في سوريا وفي غير سوريا. (الانتقام) عمل لا يحكمه دين أو عقل، بل تحكمه رغبة الثأر التي تغلق منافذ العقل على الإنسان.
الانتقام ليس له مؤيدون إلا داخل عائلة الانتقام، لذا تعرضت تفجيرات باريس لشجب واستنكار في كافة العواصم، والأهم من ذلك أن اتحاد علماء مسلمي أوروبا شجب التفجيرات، واستنكرها، ورأى أنها تضر بمصالح المسلمين في هذه البلاد، ولا تزيل ظلم الدول العظمى عن الشرق الأوسط.
إنك إذا وازنت بين حالة استنكار تفجيرات باريس على مستوى العالم، وحال استنكار هجمات الطائرات الفرنسية أو الأميركية، أو الروسية على مواقع سورية مثلًا، وقتلها عشرات من المدنيين والأطفال والنساء يوميًا، ستجد مفارقة حارقة للأكباد، تزرع في نفوس المتضررين رغبة في الانتقام والثأر. والمؤسف أن الأعمال الانتقامية تقتص عادة من المدنيين الأبرياء، لا من الجيش والجنود، لأن المنتقمين يبحثون عن الخاصرة الضعيفة ليضربوا ضربتهم المؤلمة.
هذه المفارقة في المواقف الدولية تحتاج إلى مراجعة، كما تحتاج تدخلات الدول الكبيرة في صراعات الشرق الأوسط إلى مراجعة. كل أعمال القتل والتفجير تقع في العالم العربي، في فلسطين، والعراق، وسوريا، وليبيا، ولبنان، واليمن، ولا يوجد قتال وحروب في بقية العالم، لا في أوروبا ولا في أميركا؟!, فهل هذا هو الأمن والاستقرار الذي تقوده الدول العظمى في مجلس الأمن؟!.
إنه وفي ضوء الفضائيات، ووسائل الإعلام الجديد، وتقنية الاتصالات السريعة، وتقنية الصورة، والفيديو، لم يعد بمكنة المجتمعات العربية المشحونة بالصراعات الداخلية، وبحروب الدول الكبرى بالوكالة، وبإمداد هذه الدول للمقاتلين المحليين بالسلاح والذخيرة، لم يعد بمكنتهم القبول بعيش على فوهة البندقية والبركان، بينما تعيش دول العالم في استقرار ورفاهية؟!.
ما يجدر بالمراجعة الجوهرية عالميًا إذًا أمور تتعلق بالمبادئ والسياسات الدولية في المنطقة العربية، إذ لا يمكن تمزيق العالم العربي، وهدم استقراره، مع بقاء الدول الأخرى بعيدة عن تداعيات المشهد. وعلى الدول الكبيرة ذات الكلمة النافذة أن تعمل على استقرار سوريا والعراق، واليمن، وليبيا، وفلسطين قبل كل الدول، لكي تنعم دول العالم بما تريد من استقرار وأمن.