تنديد رئيس السلطة محمود عباس بإحراق مزار «قبر يوسيف» اليهودي في قلب مدينة نابلس، وقراره تشكيل لجنة للتحقيق في الحادث وتعهده بإعادة ترميم المزار، تمثل إهانة للشعب الفلسطيني واستخفافاً بحقوقه الوطنية وتساهلاً مع الجرائم المروعة التي يرتكبها سوائب الإرهابيين اليهود الذين يرتادون هذا المزار. فهذا المزار عملياً يمثل مستوطنة يهودية في قلب مدينة نابلس، تستقطب عشرات الآلاف من المستوطنين الذين يستغلون تواجدهم في المنطقة، وحماية أجهزة السلطة الفلسطينية لهم في استفزاز الفلسطينيين. في الوقت ذاته، فإن هذا المزار يضم مدرسة، يديرها تحديداً الحاخامات الذين برزوا بشكل خاص في إصدار أبشع الفتاوى التي تدعو لقتل الفلسطينيين وتدميرهم؛ فمدير المدرسة في المزار هو الحاخام إسحق شابيرا الذي ألف كتاب «شريعة الملك» الذي ضمنه مئات «المسوغات الفقهية» التي تبرر قتل الأطفال الرضع من العرب. ومن بين «المسوغات» التي ساقها شابيرا لتبرير هذه الجريمة الشنيعة قوله إن قتل الأطفال الرضع يردع ذويهم، سيما إن كان آباؤهم من قادة «العدو»، حيث «يؤثر مقتل أطفاله على نفسيته ويدفعه لوقف سلوكه العدائي».
أما فتاوى الحاخام إسحاق جينزنيبرغ الذي يعتبر الأب الروحي للحاخام شابير والمرجعية الدينية الأبرز لأولئك الذين يرتادون المزار، فتدعو لإبداء التسامح إزاء الجرائم التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين على اعتبار أنها «جزء من أعراض المخاض الطبيعية التي يمر بها الشعب اليهودي». وإن كان هذا لا يكفي، فأن أحد الأشخاص الذين يرتادون هذ المكان هو يئير إيتنجير، الذي تتهمه المخابرات الإسرائيلية الداخلية «الشاباك» بقيادة التنظيم اليهودي المسؤول عن كثير من العمليات الإرهابية، وضمنها إحراق عائلة دوابشة. علاوة على ذلك، فإن منظمة «شارة ثمن» الإرهابية اليهودية المسؤولة عن إحراق عدد كبير من المساجد والكنائس في أرجاء الضفة الغربية والقدس والخط الأخضر، تعتمد على فتاوى هذين الحاخامين تحديداً. إلى جانب ذلك، فإنه لا توجد أية شواهد تاريخية أو دينية تربط اليهود بهذا المكان.
لقد كان إحراق هذا المزار مناسبة للتخلص من مصدر إرهاب متجدد أثبت فظاعته بالأقوال والأفعال، وهذا ما يؤكد بؤس الخطوة التي أقدم عليها عباس ويدلل على حقيقة توجهاته. لكن هذا لم يكن السلوك الوحيد الذي يعكس التناقضات التي يقع فيها عباس، الذي يهاجم سلوك المستوطنين ويبدي تعاطفه مع المقاومين. فقد كشف الصحافي الإسرائيلي البارز آفي سيخاروف أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية اعتقلت مؤخراً عدداً من الشباب الفلسطيني للاشتباه بتخطيطهم لتنفيذ عمليات طعن بالسكاكين، بناء على معلومات وصلتها من المخابرات الإسرائيلية. ليس هذا فحسب، بل إن سيخاروف يؤكد أن حرص السلطة على اعتقال عدد كبير من نشطاء حركة حماس في جميع أرجاء الضفة الغربية يهدف أيضاً إلى تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية.
وما يثير المخاوف بشكل أكبر حقيقة أن الإسرائيليين يتحدثون عن تحرك إقليمي للضغط على عباس لخلع القفازات والتصدي بشكل أكثر حدة للمتظاهرين الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، كشف النقاب عن اتصالات أجراها عبد الفتاح السيسي مع عباس لحثه على التهدئة. إن ما يبعث على الريبة أكثر حقيقة أن نتنياهو تحدث عن استعداده للتوجه لعاصمة عربية والالتقاء بالزعماء العرب مقابل تهدئة الأمور في الضفة الغربية. ومن الواضح أن نتنياهو لن يقدم للزعماء العرب أي مؤشر على تغيير مواقفه من الصراع. وفقط تحت وقع ضربات المقاومة، يضطر نتنياهو لوقف الاستيطان والتهويد وتدنيس المسجد الأقصى. ومن المؤكد أنه سيعود لمواقفه السابقة في حال تحقق الهدوء. من المفارقة أن التدخل العربي وإصرار السلطة على تواصل التعاون الأمني يأتي في الوقت الذي تقر فيه «إسرائيل» بعجزها عن وضع حد لثورة السكاكين. فصحيفة هارتس تؤكد أن الغضب والتصميم الذي يظهره الشباب الفلسطيني في القدس المحتلة فاجأ المخابرات الإسرائيلية. وتشهد الصحافية الإسرائيلية عميرة هاس أن الحرب التي تخوضها «إسرائيل» ضد المقاومين الفلسطينيين تبدو يائسة، مشيرة إلى أن الإجراءات التي تتخذها تل أبيب لردعهم لا تؤتي أكلها، حيث تؤكد أن الشباب الفلسطيني يقبل على تنفيذ عمليات الطعن رغم إدراكهم أن «إسرائيل» ستقوم بتدمير منازل عوائلهم. لكن ما هو مهم أكثر حقيقة أن ثورة السكاكين أحدثت تحولاً نوعياً في مواقف الإسرائيليين من الصراع؛ فقد دل استطلاع للرأي العام نشره موقع صحيفة «معاريف» على أن حوالي 70% من اليهود في «إسرائيل» يؤيدون الانسحاب من الأحياء الفلسطينية في القدس لتجنب عمليات المقاومة. وحسب الصحافي بن كاسبيت الذي علق على نتائج الاستطلاع فإن هذه النتائج مفاجئة لأنها تدلل على أن نسبة كبيرة من مؤيدي اليمين الديني والعلماني في «إسرائيل» باتوا يؤيدون التخلي عن القدس الشرقية، وذلك بعكس التوجهات الأيدلوجية التي يؤمنون بها.
وإن كان هذا لا يكفي، فإن المفكر الإسرائيلي يغال عيلام لا يتردد في القول إن ثورة السكاكين الفلسطينية يمكن أن تفضي إلى إحداث مزيد من التحول في موقف الإسرائيليين من الصراع، لأنها يمكن أن تقود إلى واقع يهدد مجرد وجود «إسرائيل».
ما يتوجب على عباس والزعماء العرب إدراكه أن مسيرة المقاومة الفلسطينية انطلقت ولن يفرملها هذا التدخل أو ذاك، وليس من الحكمة الاصطفاف في المكان الخطأ.