المهندان.. والوعي

نشر 20 أكتوبر 2015 | 10:33

بينما يعدّ جون كيري نفسه لزيارة عمان ولقاء الملك ورئيس السلطة للاستعانة بهما في عملية احتواء الانتفاضة وإيقافها حسب وكالات الأنباء، يأتي الرد من بئر السبع والنقب المحتل عام ١٩٤٨م، حيث خرج (مهند العقبي)، الحامل للهوية الإسرائيلية، بسكين, متمردًا على المحتل الغاصب، ليقتل جنديًا صهيونيًا ويصيب عشرة آخرين بجراح مختلفة قبل أن يستشهد.

 

لقد جاء رد مهند العقبي القوي مزلزلاً لفكرة احتواء الانتفاضة وإحباط المشاركين فيها، فهي الآن تكتسب مؤيدين جددًا من كل مدن وقرى وطننا المحتل.

 

في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م, ناضل الفلسطينيون من أجل (العدالة والمساواة ووقف التمييز العنصري)، ففشلوا, فوجد شبابهم في الانتفاضة أداة يعبرون فيها عن أنفسهم وعن غضبهم. وفي القدس فقد المقدسي جُلّ حقوقه كمواطن في بلدته، إذ لاحقه سيف التهويد، والتمييز، والطرد، وتدنيس مقدساته، فوجد نفسه في انتفاضة تعبر عنه وعما في نفسه من معاناة ومرارة فكان هو وقودها الرئيس.

 

لا غرابة في أن يكون مهند الحلبي الأول من القدس، وأن يكون مهند العقبي الثاني من بئر السبع، وأن يكونا من الجيل الفلسطيني الجديد، الذي كان صغير السن في الانتفاضة السابقة.

 

لا غرابة في أن يكون المهندان سيفين قاطعين، وأن يكون الجندي الصهيوني جبانًا خائفًا، يفرّ من المواجهة وهو يحمل سلاحًا ماضيًا. وهنا يصدق على المشهد القول النبوي الشريف: "نصرت بالرعب مسيرة شهر". لم يعد ما حدث ويحدث هبة شعبية قصيرة العمر، فهي الآن في طور الانتفاضة الحقيقة الممتدة في المكان والزمان، والمتنوعة في الأنشطة الكفاحية. ولأنها باتت كذلك وفرضت نفسها على الخريطة السياسية بقوة شعبية، بات نتنياهو يدرس _بحسب هآرتس_ الموافقة على أن تقوم شرطة فلسطينية بلباس مدني بواجب حراسة المسجد الأقصى.

 

وبات جون كيري قريبًا من المنطقة العربية للعمل مع قادة عرب على احتواء الانتفاضة، ومنع تواصلها واستمرارها.

 

حالة القلق المسكون بالتعنت عند نتنياهو، كشفت عنها بقوة عملية قتل اليهود بعضهم بعضًا بسبب الهوس، كما ظهر ذلك واضحًا في فيديو مقتل اليهودي الاريتري على يد الجيش في بئر السبع ظنًا منهم أنه فلسطيني؟!. كان منظر هرب الجنود في محطة بئر السبع مثيرًا للسخرية والاستهزاء في عناوين الصحف العبرية، ولكنه كان شاهدَ صدقٍ على ما ورد في القرآن من وصف لهم بالجبن والحرص على حياة.

 

لا توجد فرصة لنجاح مهمة كيري في احتواء الانتفاضة بالتعاون مع السلطة وأنظمة عربية محددة، لأن الانتفاضة تحمل في أحد وجوهها رفضًا للسلطة، ورفضًا لأنظمة الخذلان العربي. فكيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟!, فاقد الشيء لا يعطيه، والسلطة فاقدة للسيطرة على ورقة الانتفاضة، وحيثما كانت ورقة السلطة غائبة تمامًا كما في القدس وبئر السبع كانت الانتفاضة أنشط، وكانت العمليات الفدائية أنجح. وعليه يمكن القول إنه ثمة تصادم ما وتضاد ما بين الانتفاضة والسلطة.

 

من يقود الانتفاضة؟, وكيف؟, لا توجد إجابة واضحة عن أحد. الانتفاضة تقود نفسها بنفسها بحسب مقتضيات الميدان. أو قل: إن (الوعي الفلسطيني الشبابي) هو قائد الانتفاضة، وهو إجابة كافية عند من يدرسون حركة الانتفاضة في مراحلها الأولى.