نُذكر أن الهدف من المبحث :هو تبيان أن أصل الجبال ليس من باطن الأرض ,كما نصت نظريات الجيولوجيا المتعلقة بنشأة الجبال بل جاءت من خارج حدودها وهذا سيُبان من خلال ما فهمناه من التدبّر في الآيات القرآنية ذات الصلة.وقد تطرقنا في المقالين السابقين إلي الحجارة والصخر وهما أصل تركيبة الجبل.وسنتطرق في هذه المقال للتحدث عن الجبل.فكما نعلم أن الجبل هي كتلة ضخمة من الصخور والحجارة وهو يمتد عميقا في الغلاف الأرضي عشرات الكيلومترات حيث ما يبرز من الجبل ثلثه أو اقل ,وكثافته تختلف عن كثافة الأرض مما يسمح له بالطفو علي سطحها.وقد وردت كلمة الجبال في القران الكريم 32 مرة بالجمع و5 مرات بالمفرد جبل و9مرات رواسي.وسنبدأ بالرواسي ونحاول أن نتدبّر آياتها ,ولكن نود أولا أن نبين دلالات كلمة رواسي:
أولا: هل الرواسي هي الجبال؟قال تعالي: -(أَلَم ْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا.أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا.وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتً)ا 25-27 المرسلات,وقال أيضا ( الأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا.اخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا.وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) 30-32 النازعات.فيتبين من قوله تعالي"الجبال أرساها" أن فعل الرسو قد وقع علي الجبال فأصبحت رواسي وقوله أيضا"رواسي شامخات"والشموخ من الارتفاع والعلو ولا شئ في الأرض طبيعي يرتفع غير الجبال. إذاً الجبال هي الرواسي.
ثانيا: لماذا أُعطيت الجبال صفة الرواسي ولم تعط راسيات؟
نعلم أن كلمة راسية لغةً هي ثبات الشئ فقولنا رست السفينة أي ثبتت.وتجمع راسية جمع مؤنث سالم "راسيات" أو جمع تكسير "رواسي" ,وقد وردت كلمة راسيات في القران مرة واحدة في قوله تعالي: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)13 سبأ ,أما كلمة رواسي فقد وردت تسع مرات كما في قوله تعالي: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)15النحل,وقوله أيضاً:(وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) 31 الأنبياء
والفرق بين الجمعين كما قال أهل اللغة أن جمع السالم اقرب للفعل من الاسم بمعني أن ما يُجمع جمع سالم اقرب أن يقوم بالفعل ,فقدور راسيات جمع مؤنث سالم وهي من قامت بالفعل, فالقدور أرست نفسها بثقلها, فجمع المؤنث راسيات يكون اقرب للفعل ويبين أنها هي من أرست نفسها (فالقدور هي الفاعل المباشر), لكن الجبال "والجبال أرساها"فالجبال هي من وقع عليها الفعل,فهي مفعول به وسبحانه هو الفاعل المباشر لذلك يُقال عنها رواسي وليس راسيات لتتناسب مع كلمة القي وجعل لأن كل الآيات التي ذكرت رواسي سبقتها إما القي أو جعل ,فلو كانت الجبال هي من أرست نفسها في الأرض كالقدور لكان هناك احتمال خروجها من الأرض. ولكن قوله أرساها وإعطائها صفة الرواسي متناسقة مع القي وجعل فيها لتبين أن الفاعل المباشر هو الله.إذاً كلمة رواسي هي اسم للجبال يدل علي أن الجبال وقع عليها فعل الرسو في قوله "والجبال أرساها" وهذا يؤكده استعمال كلمة "القي" وهو عملية تتم من اعلي لأسفل وقوله "جعل فيها" أي أرسي فيها الجبال من خارجها.
ثالثاً: لماذا قالت الآيات "القي فيها رواسي"ولم تقل القي فيها "جبال " ؟ كما نعلم أن للجبال فوائد كثيرة منها ما هو معلوم لدينا ومنها ما هو مجهول , ومن فوائدها المساهمة في تشكيل السحب , لتثبيت الأرض ومنع تمددها ,تشكيل الطرق فهي سبل هداية,وإخراج الماء من الأرض علي شكل انهر أو ينابيع وغير ذلك من الفوائد, ولكن كلمة جبال اسم مجرد من الصفة الفعلية ,فمثلا نقول "هذا محمد" فهذا اسم مجرد لا يدل علي فعل يقوم به ولكن لو قلنا "هذا كاتب" فكاتب اسم يحمل صفة فعلية فهي تخبرنا بان المقصود يقوم بفعل الكتابة. فلو قالت الآيات (جبال ) فلا تعطي الصفة الفعلية لها وتبقي مجردة ,لذلك ذكرت الآيات كلمة رواسي لتكون اسما تعويضيا عن الجبال وفي نفس الوقت تعطي الصفة الفعلية لها.
رابعاً : لماذا ذكرت الآيات "رواسي" ولم تقل "الرواسي"؟
الآيات ذكرت كلمة جبال معرفة "الجبال" بينما نكرت كلمة رواسي ولم تُعرف في الآيات التسعة, وهذا له دلالاته. لأن الجبال معروفة ومدركة لنا ذهنيا فتم تعريفها ولو نُكرت وذكرت بدون ال التعريف لما أدركنا عن أي جبال تتحدث وهل هي التي في الارض ام غيرها .أما في حالة "رواسي" فلم تُعرف ليبين لنا أننا لن ندرك ونقيد فوائدها وعظمة صفتها الفعلية. وهذا قد يعطينا معلومة علمية اننا لن نستطيع ان ندرك كل فوائدها وكلما اكتشف العلماء جديد سيبقي الاكثر مُبهم.
نلخص القول بأن كلمة رواسي تعطي دلالة أن الجبال أُلقت من فوق الأرض لتثبتها وتمنع تمددها وهي صفة فعلية للجبال ,وقد نكرتها الآيات القرآنية ذات الصلة لتبين عظم فعلها ولا حدود لمعرفتها. فمهما اجتهد العلماء في تحديد فوائد الجبال سيبقي الاكثر مبهم.