إن الهدف من مبحث أصل الجبال في القران هو تبيان حقيقة ما عَقِلته من خلال التدبّر في الآيات القرآنية (ويبقي علم الله فوق علمنا)دون الخوض في التفاصيل الجيولوجية للجبال من حيث أنواعها وكيف تكونت وتوزيعها في الأرض وغير ذلك إلا ما يتناسب والمبان في الآيات القرآنية.فالقران تناول الحجر والصخر والجبل في آيات مختلفة بما يتناسب مع المقصود المراد إيصاله لنا. فلقد اجمع علماء الجيولوجيا أن الجبال هي كتلة ضخمة من الحجارة والصخور ترتفع عن سطح الأرض,والقران يتناول في آياته ما هو مفهوم ومتعارف لنا ولا يتناول ما هو مجهول لنا ,فالحجر والصخر معروف لنا انه من الجبال, ولم يكن في القران قصدٌ غير ما نعلم.
لقد تطرقنا في المقال السابق عن الحجارة وهي قطعة من الصخر,وسنتناول في هذا المقال عن الآيات التي تناولت الصخر وعددها ثلاث:
قال تعالي:
1 - (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)الفجر,
قوم ثمود هم قوم نبي الله صالح وقد جاءوا بعد قوم عاد,وقد ورد ذكرهم في القرآن أنهم كانوا ينحتون الجبال ليصنعوا لهم بيوتاً,قال تعالي(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) الأعراف, وكلمة "جابوا" تعني خرقوا الصخر ودخلوه.ولم يقل "جابوا الجبال"لأن الخرق هنا سيُفهم منه خرق الكلية وليس الجزئية,بمعني أن الجبل كله خُرِق وليس جزئه فاستعمل القران كلمة"الصخر" ليعبر عن الجزئية وليس الكلية وبالتالي جزء من الجبل قد خُرق. إذاً الصخر في الآية هو جزء من الجبل.وإعجاز لُغوي آخر يكشف لنا الحقيقة في آية 74 الأعراف في قوله (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا ) فقد أضافت الآية ضمير الملكية لكلمة سهولها تعود علي الأرض ولكن لم يضف ضمير الملكية في كلمة الجبال فقال (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ) ولم يقل تنحتون من جبالها ,فعدم إضافة ضمير الملكية للجبال يعطي دلالة أن الارض لا تملك الجبال وهذا يعني انفصال الجبال عن الارض تضاريسياً.إذاً من الآيات السابقة نتوصل إلي أن الصخر من مكونات الجبل ,إضافة أن الجبال ليست من مملكة الأرض تضاريسيا.ً
2- (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)الكهف,
هي قصة سيدنا موسي مع فتاه يوشع بن نون بحثاً عن الخضر.من الآية يتبن أن الصخرة كانت ملقاة علي الأرض بجانب البحر كما علمنا من الآية.وكما نعلم أن كثيرا من الصخور الضخمة التي لا جذور لها في الأرض ,ملقاة علي الأرض في مناطق غير جبلية إما علي ساحل البحر أو في الصحراء, فمن أين جاءت تلك الصخور؟وقد فسرها علماء الجيولوجيا بأنها قد تكون نتجت من انجرافات مناخية منذ ملايين السنين؟؟
3-(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)لقمان
نجد في الآية الكريمة فصل بين الصخرة والأرض ,وقد تبين أن الجبال تتكون من صخور ,فلو كانت الصخور جزءا من الأرض فلماذا يُذكر الكل والجزء معا,فكما نعلم أن ذكر الكل يعبر أيضاً عن الجزء ,ألا يكفي ذِكر الكل ليعبر عن الجزء.وأيضاً في قوله تعالي (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) الأحزاب , ومن دلالات ذكر الجبال منفصلا عن الأرض يبين أنها كائن مستقل فلو كانت الجبال جزء من الأرض لاكتفت الآية بذكر الكل وليس الجزء والكل معا.
نلخص القول ومن خلال تدبّرنا في الآيات السابقة تبين بأن الصخر وحدة تركيبية للجبال وتبين أيضاً من الآيات انفصال الجبال ذِكراً عن الأرض ككائن مستقل وليس كجزء من الأرض.