الشيخ حامد خضير البيتاوي 'أبو حاتم'

نشر 10 ابريل 2008 | 11:25

 

 

تأتي كتابة هذه السطور حبا ووفاء لممثلي الشرعية الفلسطينية الذين اختطفهم الاحتلال وزج بهم في السجون وخلف القضبان، وغيبهم قسرا في بطن الحوت وفي مقابر الأحياء، لشل الحياة السياسية الفلسطينية وتقويض نظامها وتعطيل الحياة البرلمانية والمس بالديمقراطية الفلسطينية وإفشال تجربة التغيير والإصلاح، كما وتأتي هذه الكلمات من باب تسليط الأضواء على قضية ممثلي الشرعية بعد أن انخفضت وتيرة الدعم والمتابعة، وخفتت فعاليات التضامن معهم حتى تلاشت كليا من الساحة، لذلك كان لابد من تفعيل هذه القضية والدفاع عن الشرعية المسلوبة، وحديث اليوم يتناول شخصية فلسطينية مرموقة وداعية إسلامي كبير تجاوز النصف الأول من العقد السابع من عمره المبارك، نشأ وترعرع في كنف والده في بلدة بيتا جنوب مدينة نابلس، ومهما أفضت بالحديث عنه فلن يوفى حقه ولن أستطيع تقديم صورة وافية عنه لأن صفحات جهاد وعطاءات وتضحيات الشيخ حامد خضير البيتاوي أبو حاتم لا يمكن حصرها، ومن الظلم اختزالها في صفحات معدودة، من هنا كان الاكتفاء بالتوقف مع بعض الجوانب من الحياة هذا الرجل للتذكير بأنه يقبع في ظلمة السجن مع أكثر من خمسين وزير وعضو مجلس تشريعي موزعين على عدة سجون.

 

الشيخ أبو حاتم الذي يحمل الماجستير بالشريعة الإسلامية من جامعة النجاح الوطنية وكان قد حصل على البكالوريوس من الجامعة الأردنية، وقد أورثته دراسته الشرعية وتتلمذ على يد كبار الدعاة شرقي النهر الأثر الكبير في صقل شخصيته الإسلامية والدعوية، الأمر الذي أهله لتصدر العمل الدعوي في فلسطين على مدار سنوات الاحتلال التي تجاوزت الأربعين عام، لقد غادر بلدته قريته 'بيتا' وسكن مدينة نابلس التي كانت تضم في أحيائها رجالات الدعوة الذين عاصرهم الشيخ أبو حاتم أمثال الشيخ خليل أبو غضيب أبو حافظ صاحب ديوان الشعر أطياف من بيسان، والشيخ خالد البسطاق أبو الأنيس الذي استشهد في الانتفاضة الأولى على أيدي قوات الاحتلال أثناء عودته من صلاة الفجر في مسجد خالد بن الوليد في الجبل الشمالي، والذي كان يرحمه الله يحرص على الصلاة في جماعة مهما كانت الظروف، وحفظي النجار إمام مسجد في البلدة القديمة والذي عرف عنه أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، والشيخ سعيد بلال أبو بكر، والمربي الأستاذ ناجي صبحة أبو أسامة وهما من الشخصيات الوطنية المعروفة، وغيرهم أمثال الداعية الشيخ محمد حسن أبو الرب أبو معن، والشيخ حسن الأسمر أبو محمود وكان مفتي نابلس والشيخ مشهور الضامن وجميعهم التحق بالرفيق الأعلى وغيرهم من رجالات الدعوة الذين حاصرهم المد القوي والمد الناصري الذي أعاق العمل الدعوي في المدينة، ووصلت بهم القذارة والبغضاء بأن قاموا بحرق دار الإخوان المسلمين في مدينة عرف عنها أنها معقل الوطنيين، إلا أنها ضاقت برجالات الدعوة من الإخوان.

 

بدأ الشيخ حامد البيتاوي رحلة نشر الدعوة وغرس قيمها، وأخذ يلقي المواعظ والدروس في مساجد المدينة يلقن مبادئ الدعوة ويبث أفكارها ومن خلال حلقات العلم العامة والخاصة وقد لمع نجم هذا الداعية بعد أن تشرف بأن يكون أحد فرسان وخطباء المسجد الأقصى حيث اجتازت كلماته وخطبه كل الحدود المصطنعة وتأثر بها كل الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، وكان تأثيره واضحا في شباب الحركة الإسلامية العائدين إلى عقيدتهم داخل الخط الأخضر والذين حرصوا كل الحرص أن لا يفوتوا فرصة للصلاة خلفه في المسجد الأقصى، وسماع خطبه.

 

من هنا أصبح الداعية أبو حاتم روح يسري في جسد الشعب الفلسطيني، وكانت خطبه ودروسه ومواعظه تجد طريقها في نفوس الجميع تهز قلوبهم ومتنفسا عن همومهم ولسانا ينطق باسمهم وهو يدافع عن المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية، فيكشف عن الحقائق ويفضح ممارسات الاحتلال التي طالت كل جوانب الحياة الفلسطينية، ويؤكد على الحرية الوطنية ويتصدى لسياسات الاحتلال فكانت لنبرات صوته وبليغ كلامه وفصاحة بيانه وصدق عواطفه والإخلاص في عمله علاقة فلسطينية مميزة وماركة مسجلة في سفر الدفاع عن المسجد الأقصى، هذا الموقع الذي له وقع خاص في نفوس المجاهدين وأبناء شعبنا الفلسطيني حيث القدس توقظ القلوب وتعلي الهمم، ونتيجة لذلك فقد عانى الشيخ حامد من ظلم الاحتلال فمن الإقامات الجبرية في المنزل إلى الاعتقالات الإدارية المتكررة إلى المنع من دخول القدس إلى الإبعاد إلى مرج الزهور، حيث كان أحد الأسود التي أبعدت مع 417 مجاهدا إلى جنوب لبنان ولسنة كاملة 1993 / 1994 فكانت زئيره ومن مرج الزهور يتردد صداه في ساحات المسجد الأقصى وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي، ويعتبر أبو حاتم أحد الرواد والداعين إلى تجسيد الوحدة الوطنية في الشارع الفلسطيني، وقد شكل صمام الأمان ونجح في نزع فتيل فتن عديدة وعمل على تنفيس احتقانات كثيرة، فقد عصفت بجامعة النجاح الوطنية أزمة كادت أن تمزق النسيج الاجتماعي في المدينة على إثر فوز الكتلة الإسلامية ولأول مرة بغالبية مقاعد مجلس الطلبة عام 1979، الأمر الذي شكل ردة فعل عنيفة في أوساط مؤيدي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية حيث رفضوا بداية تسليم المهام والصلاحيات للفائزين ومع كل فوز لاحق ازدادت الاحتكاكات وحصلت صدامات عنيفة في الجامعة امتدت إلى جامعة بير زيت عام 1983 عندما تمت محاصرة طالبات الكتلة الإسلامية في كفتيريا الجامعة، الأمر الذي أثار وأجج المشاعر في كافة محافظات الوطن عندما تحرك الشيخ حامد مع كل المخلصين وكان من بينهم المرحومين سعد الدين العلمي والمهندس حسن القيق أبو سليمان لرأب الصدع، وإعادة اللحمة وتوحيد الصفوف، ولقد تكررت وتجددت الصدامات مع كل مرة تفوز فيها الكتلة الإسلامية ولمدة أربعة مرات متتالية، وصلت أوجها وذروتها عندما حصدت الكتلة الإسلامية جميع مقاعد مجلس الطلبة عام 1981 حيث لم يكن الأمر شاملا على تيار مؤيدي منظمة التحرير الفلسطينية لاستيعاب ما يحصل من مفاجآت شكلت لهم ضربة وصدمة وخسارة غير متوقعة، وفي كل مرة يتحرك الشيخ حامد الداعية والرمز الوطني والوحدوي ومن موقف فلسطيني مسؤول يعبر عن أصالة وصدق انتمائه، وكان من الفاعلين ومن لهم الفضل في تنفيس الاحتقانات وتنقية الأجواء فخطابه الوحدوي ونظرته الأخوية للجميع أبناء فلسطين بغض النظر عن الألوان والانتماءات السياسية، ومن الجدير بالذكر أن الحركة الإسلامية كانت تعكس فكر وتوجهات الإخوان المسلمين التي انبثقت من رحمها حركة المقاومة الإسلامية حماس مع اندلاع الانتفاضة الأولى ثورة الحجارة، الشيخ حامد البيتاوي بقلبه الكبير الرحب استوعب كل من حوله وعلى طول مسيرة عطاءه يرفع شعار 'مد كف المصافحة ولا تشير بأصبع الاتهام' ويؤكد على ضرورة سد الذرائع بدل السن بالسن، وتربى على العفو والإحسان بدل الغضب والثأر لأنه فهم الحياة ورسالته الدينية والوطنية ولا يزال يحياها حق حياتها، فالأريحية أصل في سلوك هذا الرجل حيث الألفة والبشاشة ويوظف روح النكتة الهادفة ليرسم البسمة على وجوه من حوله، يأنس به كل من يحادثه أو يخالطه أو يجالسه أو يجاوره، فأكد بأفعاله وممارساته أنه رفيع الصفات يوضح الحلال من الحرام والمكروه والمندوب والفكر والأخلاق والانضباط والالتزام فيشيد الجميع به، وقاف عند الحق يبارز ويحاجج، وجاها ويقول صراحة ما بنفسه دون أن يختبئ هروبا من استحقاقات وقفة الحق والجهر به.

 

إن تفاعله وعلاقاته مع الآخرين هي ممارسات فعلية وحقيقية تعبر عن قناعات وليست محض دبلوماسية فقد التقى الرئيس الراحل ياسر عرفات أبو عمار عدة مرات تخللها حوار وطني دافئ ومسؤول وصريح، الأمر الذي أكسبه احتراما ومصداقية فليس غريبا أن يطلق عليه محبيه ومريديه وقيادة وأبناء الحركة الإسلامية بأنه قدوة الدعاة، فكان أول رئيس لرابطة علماء فلسطين، ومحور الشخصية الإسلامية الوطنية والوحدوية وحافظ في لقاءاته على سمو منزلته كداعية التي وفقه الله تعالى لها يخدم الجميع فكان وبحق الداعية والسيد والقدوة كانت بدايات عمله الوظيفي في المحاكم الشرعية حتى أصبح قاضيا شرعيا في طولكرم ونابلس، وخلال مسيرته الوظيفية كانت الشفافية والمهنية والإخلاص والعدالة وحسن المعاملة والمعاشرة هي سماته الحقيقية حيث أن حياة الرجل وشخصيته كانت أصلا باعثا على هذا الاتجاه فباب بيته كان مفتوحا على مصراعيه يستقبل أصحاب الحاجات ويساهم في حل الخلافات الأسرية والمجتمعية والعائلية، لذلك لم يختلف على رمزيته ووطنيته أحد، وهو من عرف سعة صدره وحسن استماعه حيث بدد عنه كل وحشة وجعلت له جاذبية خاصة كحسن خلقه ومعاملته صدى أورثه الكثير من الترفع عن الصغائر والأخذ بالتي هي أحسن في محاوره الاتجاهات السياسية المختلفة في الوطن حتى أنه استطاع من الإحسان في مجابهة المتطفلين حتى وعندما جهل عليه كان العقل من الجميع فكظم وصفح وكان لمعرفته وخبرته للواقع الفلسطيني بكل تعقيداته وتشعباته ما ساعده على حسن الأداء.

 

وأمام ما تقدم فإن الشعب الفلسطيني قد كرمه ودفع به إلى مقاعد المجلس التشريعي وجعله من المصطفين والمنتخبين لهذه الأمانة والمسؤولية، ولعل حجم الأصوات التي حصل عليها قد عكس حجم المحبين له والمؤيدين له والمتأثرين به كشخصية وداعية إسلامي، واليوم فإن قدر الداعية والشيخ حامد أن يقبع مرة أخرى خلف القضبان ويعيش حياة الأسر في سجون الاحتلالـ وأصبح علما بارزا في أوساط الأسرى الذين يجمعهم السجن والمحاكم والزنازين وسيارات التنقلات والبوسطة حيث يطل أبو حاتم بابتسامته العريضة والجذابة ويسلم على الجميع ويرفع يده بعدها منشدا :

أخي انت حر وراء السدود                      أخي أنت حر بتلك القيـود

إذا كنــت بالله مستعصما             فمـاذا يضيرك كيد العبيد

أخي قـد غددت هنا سجينا             لأنـي أنشد الإسلام دينـا

وحولـي إخــوة قد قاموا             تــراهم بالقيود مكبلينـا

 

فملامحه الجليلة، وشعر رأسه قد غزاه الشيب جميعا ولحيته البيضاء الطويلة ووجهه المشرق الذي يشع نورا وإيمانا لا يتردد أن يحول ساعات السفر الطويلة والشاقة في البوسطة (سيارة نقل الأسرى) إلى حلقة وعظ وإرشاد وحوار هادف وبناء، نزيه الصوت وعالي الكلمة طلق اللسان قوي الجنان يعبر عما يدور في نفوس الأسرى من هموم وآلام وطموحات وآمال، فعيناه تشع ذكاء ويعرف ما يريد من يستمع إليه لذلك لم يكن غريبا أن يمتد حب الشعب الفلسطيني له إلى أوساط الأسرى وهم يرونه بهيئته العالية وصبره واحتسابه نبع معنويات يوزع على الجميع، لقد رحب الأسرى جميعا فأحبوه من كل قلوبهم تراه في فورة الرياضة الصباحية مشجعا الجميع لممارسة الرياضة، ويشد على أياديهم ويشحذ هممهم ويدخل الترويح والتكتكة والابتسامة والطرفة في تعاملاته مع من حوله، فكسب قلوب الجميع من كافة الفصائل، ينام مبكرا ويستيقظ بعد منتصف الليل ليقف بين يدي الله قائما حتى صلاة الفجر ليبدأ بقراءة الأذكار وتلاوة القرآن حتى الضحى، فيصلي ويبدأ بمتابعة الأخبار وقراءة ما وصل من الصحف ويشارك في النقاشات والحوارات وينام قيلولته التي تساعده على قيام الليل وعنده حلقات الدرس والوعظ التي يشارك في بعضها من جميع الفصائل ويستغل أوقاته بشكل فاعل، التقينا في إحدى المحاكم المجاهد مصعب الهشلمون من الخليل والمحكوم أكثر من عشرة مؤبدات، وكان مصعب يتمتع بروح معنوية عالية ويؤكد على أن الحرية هي حرية الروح وليس حرية الجسد وأن الإنسان لن يقضي يوما إضافيا في السجن غير مقدر له، كما أن مصعب صاحب صوت ندي في الآذان وفي قراءة القرآن وإمام، هذا العملاق الذي لا يشعر بالندم.