أوضح تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن ٧٢٪ من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن قطاع غزة قد يصبح منطقة غير صالحة للسكن قبل عام ٢٠٢٠م.
هذا جزء يسير من التقرير الوصفي، التحذيري، المضمخ بالسواد، لا يبعد عن الحقيقة والواقع، بل هو يصف المعاناة كما هي، وكما تتحدث عنها الأرقام والإحصاءات. حيث تجاوزت نسبة البطالة العامة في غزة حاجز ٤٠٪، ووصلت نسبة الأسر الفقيرة حاجز ٥٠٪، وفي كل عام يتخرج من جامعات غزة ومعاهدها قرابة (١٢٠٠٠) خريج لا يلتحق أحد منهم بسوق العمل، وتعاني الأجيال الشابة في سن العشرين وصاعدًا أزمة عدم القدرة على الزواج، وعدم القدرة على الحصول على شقة، وهناك (٤٢٠٠٠) موظف حكومي لا يتلقون إلا جزءًا محدودًا من الراتب بنسبة ٤٠٪ في كل أربعين يومًا، وتعاني الأسواق من كساد تجاري، ومن غلاء الأسعار أيضًا، مع فقدان شبه تام لمواد الإعمار، إضافة إلى أزمة الكهرباء، ومشكلة المياه، التي وصفها تقرير أممي بأنها غير صالحة للاستخدام الآدمي.
هذا غيض من فيض من الحالة العامة للسكان، والتي تدعم تقرير (أونكتاد) بأن غزة غير صالحة للسكن في ٢٠٢٠م، ولكن اللافت للنظر أن تعليل هذه الحالة المزرية جاء مصيبًا، ومتطابقًا مع رؤية حماس والسكان، إذ ترجع (أونكتاد) هذه المعاناة المتزايدة سنويًا إلى حصار غزة، وليس إلى الحروب الثلاث التي صدت فيها غزة العدوان الإسرائيلي الغاشم. الحصار فعل هذا كله بلا منازع، وما زال ينشر جرائمه في جسد السكان أيضًا، ولا أحد يدري متى يرفع المحاصرون حصارهم عن غزة.
نعم، إن تقرير (أونكتاد) كان تقريرًا وصفيًا للمعاناة وحالة الأزمة، ولم يقدم حلولًا واضحة، ولم يحدد دورًا للأمم المتحدة في الحل، ولكنني أعتقد أن التقرير نفسه يتضمن العناصر الأساسية للحل، وأهم عنصر منها هو رفع (إسرائيل) حصارها عن غزة، وإعطاء فرصة للسكان للعمل، والإعمار، والزراعة والتصدير، وإعادة تشغيل المصانع، وغير ذلك مما يساعد على رفع نسبة التنمية وتخفيف حدة البطالة والفقر، وتوفير فرص أفضل أمام الدول المانحة لتحلية مياه البحر، وحل مشكلة الكهرباء.
ومن خارج التقرير نقول: إن قطاع غزة يسبح فوق مسطح من الغاز الطبيعي في المنطقة بحسب بعض الخبراء، وأن ساحل بحر غزة يحتضن ثروة من الغاز الطبيعي التي يمكن عند استغلالها والاستثمار فيها أن تحل غزة كل مشاكلها، وربما مشاكل الضفة أيضًا خلال سنتين، ولكن الاحتلال يمنع ذلك، ولا يكتفي بالمنع، بل هو يسرق مقدرات السكان، ويستنزف آبار غزة للغاز التي اكتشفت قبل سنوات.
إن مشكلة الأمن الغذائي الذي تفتقر إليه نسبة ٧٢٪ من السكان، يؤدي لا محالة لمجموعة كبيرة من المشاكل الاجتماعية، والمشاكل الصحية، ويهدد المنطقة بالانفجار، لأن الموت (بشهادة) في مقاومة العدو خير من الموت على سرير الجوع أو المرض، وقد يصل بالسكان أنفسهم إلى طلب الحرب والقتال قبل أن تطلبه منظمات المقاومة. غزة ربما تنفجر في وجه العدو في فترة قريبة، وتقرير (أونكتاد) لا يزيد عن جرس تنبيه للعدو ودول العالم التي لا تعمل شيئًا لغزة، ولا لرفع الحصار.