لا أحد ينكر (جدلية) العلاقة بين السياسي والعسكري. ومن ثم فإن الإبداع العسكري يتطلب أيادي مبدعة تحصد ثمار ما يزرعه العسكري بلا تردد أو تأجيل.
فالتوقيت جزء أساس في عملية الابداع وفي عملية الحصاد .
إنه لمن الإبداع أن تمنع القيادة السياسية الذكية مجموعة اللصوص من سرقة النصر أو الإنجاز ، خاصة أن القتال وأعمال المقاومة لا تستهدف إظهار القدرة العسكرية أو تجريب المعدات الجديدة بل تستهدف افشال العدو ، والتقدم خطوة نحو هدف التحرير.
العمل العسكري في الحركات المقاومة، كالعمل الدعوي في الحركات الدعوية الاصلاحية ، يتهدده خطر السرقة والسطو. لقد كان (الإخوان المسلمون) سبباً رئيسا في نجاح ثورة 1952م ونجاح ثورة يناير الشعبية 2011م ولكن تمكن الجيش من سرقة الثورتين، ووضع الاخوان في السجن ، وقتل قادتهم، وحرم أسرهم من الحياة الطبيعية الآمنة.
لقد فشل الإخوان مرتين في حصاد ما زرعوا في أعوام طويلة, وربما تكررت هذه الحالة في دول أخرى كالسودان والجزائر وتونس واليمن، لذا ندعو الباحثين إلى مقارنة هذه التجارب من هذه الزاوية ومعرفة الأسباب الذاتية والخارجية التي أدت لفشل صاحب الزرع من حصاد ما زرع .
إن القتال من أجل القتال ليس هدفاً معتبرا في الفكر الإسلامي ، بل ان للقتال في الفكر الاسلامي مشروعية محددة، وقف عليها الفقهاء وبينوا اصولها ومحدداتها، وجوهرها هو الدفاع عن النفس والحقوق وحماية الدعوة ونشرها وازالة المعوقات التي تمنع قيام الحياة الاسلامية الصحيحة.
وإنه لا جدال في أن الاعمال المسلحة التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية تمثل واحدة من مجموعة أعمال تكون استراتيجيتها من اجل استعادة الحقوق ورفع الحصار والدفاع عن النفس وهذه في الوقت نفسه هي جزء من استراتيجية التحرير وتقرير المصير وهي لا تنفصل بحال من الاحوال عن العمل السياسي ومن ثم لا ينبغي (الفصل بين السياسي والعسكري) بل يجدر أن يُخدّم أحدهما على الآخر.
لقد قدمت المقاومة الفلسطينية تحيات كبيرة وحققت نجاحات عديدة ولكن الأيدي السياسية التي حصدت زرع المقاومة لم تكن وفية لها ؟! ولم تكن داعمة لها بل كانت أقرب إلى مجموعات سارقي الثورات ؟! لذا لا يمكن القول (بجدلية العلاقة بين السياسي والعسكري) في الحالة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو بل يمكن القول (بانفصال السياسي عن العسكري) انفصال عداء وكراهية لذا لم تنجح القيادات الفلسطينية باستثمار ثلاث حروب أصابت فيها المقاومة في غزة نجاحات جيدة نحو التقدم في رفع الحصار واستعادة الحقوق.
إن المسافة الفاصلة بين السياسي والعسكري على مستوى السلطة والمقاومة واسعة جدا، ومسكونة بالسرقة والانتهازية والتجارة الذميمة، ومن ثم انقسم الوطن على نفسه، انقساما ذاتيا بقوة تأثير اسرائيلية وأمريكية ، جعلت الطلاق بائنا بين مشروعي المقاومة والتفاوض، وخلقت جدلية خَدميّة بين أمن المحتل والسلطة، وبات الطرفان ( السلطة والمحتل) يُخدّم أحدهما على الآخر، على الرغم من انكار الشعب لهذا العمل المشين ورفضه لهذه الخدمة المهينة.
ويمكن القول بأن هذه الحالة خلقت مسافة فاصلة احيانا بين العسكري والسياسي عند الفصائل الفلسطينية نفسها.