صحلها زوج وقالت عنه أعور

نشر 28 يوليو 2015 | 10:14

انطبلت واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي العربية بقصة المعشوقين الاستراليين وروميو القرن الواحد والعشرين، الذي تمسك "بجوليتيه" بالرغم من تعرضها لحادث حريق أتى على جمالها، وأبقى أثارا ظاهرة لم تعالجها عمليات التجميل ولم تحسن في شكلها بشكل مقبول!

والتعليقات والاقتباسات على القصة تدل اما على عدم التصديق او الانبهار بامكانية وجود مثل هذه الحالات في زمن الافتتان بالجمال الظاهري المادي، اوالتحسر الشديد على فقدان هذه النماذج في الحالة العربية التي اصبحت مأخوذة بجمال الجسد دون جمال الروح!

الذي يرى الاسترالي مايكل يقول عنه وسيما وبمنطقنا يستطيع ان يرتبط "بست ستها" وبجميلة الجميلات، فهل تربى على ثقافة ودين تأمر بجبر الخواطر مثلا ليضحي بنفسه وآماله؛ فهو اختار حبيبته توريا بيت، وكانت عارضة ازياء قبل الحادث، وهذا دلالة على انه مهتم بالجمال ومقاييسه، فما الذي يجعله يقدم على هذه الخطوة سوى حالة شعورية عميقة تدلل ان الحب الحقيقي يتجاوز كل العقبات، وليست حالة خرافية ولا اسطورة، وان الاخلاق والالتزام والوفاء حالة انسانية قد تتواجد منفصلة عن الدين الا ان الدين الحقيقي،اذا وُجد، قد يعضدها.

ما يهمنا هو التباين الواضح في ثقافتنا ومجتمعاتنا فالمرأة عندنا هي المطالبة بالتضحية على الاطلاق حتى من قبل الزواج، فقد حصّلت زوجا فلتغني في عبّها، هو حد طايل؟! على رأي المصريين، أوصحلها زوج وقالت عنه اعور عرأي جداتنا، وغيرها من التعليقات التي تنظر الى الرجل، أي رجل، كغنيمة لا يجب تفويتها ولو كان خاليا من الايجابيات وكأن المرأة بالمقابل تفوقه عقلا وروحا وامكانيات ويغدو الامر أسوأ وتُفتح التنازلات الى ما لا نهاية لو تعداها ما يسمى بقطار الزواج او سن الزواج!!!

اجتماعيا على المرأة ان تضحي وتحتمل سوء الاخلاق والنزق والاهانات وحتى الامراض، ويتوقع منها المجتمع ان تصبر على زوجها ولو كان عقيما بينما له الخيار بل ويجب عليه ان يبحث عن اخرى لو كانت الزوجة هي العقيم!!! ببساطة الرجل عندنا لا يعيبه شيء والمرأة لا يزكيها بداية في هذا العصر عند اغلب الناس، حتى اصحاب الدين، الا الجمال المادي الظاهري ثم معه اشياء اخرى كالدين والخلق والنسب وغيرها، الجمال هو المفتاح الأول ومعه أشياء اخرى تكمله!

هل كنا هكذا دوما بلا قيم حقيقية صلبة تحكم تكويننا الفكري وقراراتنا في مراحل مفصلية يعتمد عليها مستقبل تكوين الاسرة كأهم لبنة في بناء المجتمع؟

الم يكن عندنا مثل هذا المايكل الذي يرى في المرأة أكثر من جسد وفي الحب اكثر من انجذاب وافتتان بأمر مادي؟

صلى الله على من تزوج العجائز اللواتي آيسن من الدنيا الا من صحبته صلى الله عليه وسلم، وان يلقين الله وهن من أمهات المؤمنين كأمنا سودة بنت زمعة وأم الايتام الحكيمة ام سلمة.

ورضي الله عن أبي عثمان النيسابوري اذ اجاب يوم سئل: ما أرجى عملك عندك؟ فقال: كنت في صبوتي يجتهد اهلي ان اتزوج فأبى فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان اني قد هويتك وانا اسألك بالله ان تتزوجني، فأحضرت اباها وكان فقيرا فزوجني وفرح بذلك فلما دخلت الي رأيتها عوراء عرجاء مشوهة، وكانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج فأقعد حفظا لقلبها ولا اظهر لها من البغض او التأفف شيئا ولكني على جمر الغضا، فبقيت على ذلك خمس عشرة سنة حتى ماتت فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي لقلبها.

يوم كتبت غادة عبد العال مدونتها وكتابها بعنوان كيف تصطادين عريسا، والذي تحول الى مسلسل بعنوان (عايزة أتجوز) استهجن المجتمع خروج فتاة عن حالة الصمت والعرف لمعالجة قضية تدمي قلب كل فتاة تعب أهلها على تربيتها، وبذلت هي نفسها للتعلم والازدياد والتفوق ثم تأتي لترهن كل هذا وتبيعه من اجل ان تكسب رجلا في شهادة زواج باسمه واسمها في زواج يخلو من كل اركان التوافق والنجاح!! المهم ان لا تبقى عانسا!!!

ليس عندنا احصائيات تتتبع حالة المجتمع الفاضل في زمن الاوائل، ولكن لدينا قصص وأوصاف تثبت ان وضع النساء وقيم الزواج وحالة الاسرة كانت في استقرار متقدم أنتج لدينا نماذج فذة من البشر الذين تفوقوا في كل ميادين الحياة.

يحق لمن يتحسر ان يتحسر ويحق لمايكل ان يتبوأ مشهد البطولة، فلم يعد لدينا سوى "عناتر" في المظهر، اما جوهر عنترة وجوهر الرجولة فالساحة شبه خالية وما بقي في الميدان سوى مايكل!!! وقصص من الزمن الجميل نجترها بأسف وحنين!