لأول وهلة بدا الاتفاق بين الدول العظمى مع إيران كتطور بالغ السلبية تجاه «إسرائيل»، لكن نظرة متأنية تدلل على أن «إسرائيل» لم تنفك توظف هذا الاتفاق في تحقيق مكاسب جيوإستراتيجية غير مسبوقة. فقد أعلنت تل أبيب أنه في حال فشلت في احباط تمرير الاتفاق في الكونغرس، فأنها ستطالب الإدارة الأمريكية بتقديم تعهد يضمن تبنيها القرار الذي اتخذته عام 1981، والقاضي بفرض السيادة الصهيونية على هضبة الجولان. وقد عبر عن هذا الموقف بشكل صريح ومعلن وزير الأمن الداخلي يغآل أردان. ولن يكون من المستهجن أن تطالب «إسرائيل» بما تجاهر به نخبها علنا، بالتزام الولايات المتحدة بالعمل على ابقاء نظام بشار الأسد في سدة الحكم، على اعتبار أن بقاء النظام يضمن الهدوء على جانبي الحدود. مع العلم أن بعض النخب الصهيونية قد طالبت بتزويد النظام الأسدي بالسلاح لمنع سقوطه.
ويمكن القول، إنه في ظل توظيف لاتفاق لتعزيز مكاسبها، فليس من المستبعد أن تطالب تل أبيب بخطة دولية للحفاظ على بقاء نظام السيسي في مصر. ولا يبدو هذا مستبعداً، لأن بعض النخب الإسرائيلية تطالب بأن يسهم العالم في تأمين البيئة الإستراتيجية للكيان الصهيوني من خلال إرسال قوة دولية لمقاتلة من تعتبرهم «إسلاميين متطرفين» في سيناء. وقد ذهبت بعض النخب اليمينية الحاكمة إلى ما هو أبعد من ذلك عندما طالبت بأن يوافق العالم على ضم مناطق «ج» التي تشكل أكثر من 60% من الضفة الغربية ل»إسرائيل»، كتعويض ل»إسرائيل» على الاتفاق. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما العلاقة بين الاتفاق والضفة الغربية. ومن المفارقة، أن كل المؤشرات تدلل على أن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس سيكونان الخاسرين الأكبر لهذا الاتفاق، حيث إن «إسرائيل» ستوظف الاتفاق في تبرير تقليص هامش المناورة الذي يحاول عباس الاحتفاظ به من أجل التدليل على أن لديه برنامجا سياسيا. فعلى سبيل المثال، هناك في «إسرائيل» من يرى أن الاتفاق مع إيران سيقلص من ميل أوباما الظاهري للاعتراض على مشاريع الاستيطان والتهويد، ناهيك عن أنه سيلتزم بمواجهة أي تحرك فلسطيني في المحافل الدولية ضد «إسرائيل».
ومن المؤكد أن أوباما سيعمل على بذل جهد أكبر لمواجهة حركة المقاطعة الدولية ضد الكيان الصهيوني. في الوقت ذاته، فإن «إسرائيل» تريد توظيف الاتفاق في الحصول على التزام أمريكي بعدم تزويد دول الخليج وتحديداً السعودية بأي سلاح نوعي، بزعم أن مثل هذا التطور يهدد تفوقها النوعي.
وإن كان هذا لا يكفي، ومما لا شك فيه أن تل أبيب وظفت الاتفاق في شيطنة تركيا!!!. وهذا أمر مستهجن، حيث أنه لا يوجد ثمة رابط بين تركيا وإيران في كل ما يتعلق بالبرنامج النووي. فقد زعمت دوائر الحكم الصهيونية أن تركيا تعكف على مخطط وضعته سراً لتطوير سلاح نووي. وتدعي المحافل الصهيونية أن تركيا ستكون القوة النووية القادمة في المنطقة. اللافت أن الصهاينة يستندون إلى أدلة متهافتة من أجل التدليل على توجهات تركيا النووية.
من ضمن الأدلة المفتراة، سعي أنقرة للحصول على طائرات»إف 35» المقاتلة الأكثر تطوراً في العالم، بزعم أن هذه الطائرات قادرة على حمل قنابل نووية، حيث إن هذه الطائرات قادرة على حمل قنابل نووية من طراز «b61». نظراً لإفلاسها، لم تجد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بداً سوى الاعتماد على ما نقله موقع ألماني في عام 2014 من تقديرات للمخابرات الألمانية مفادها بأن تركيا معنية بتطوير برنامج نووي مدني للتغطية على مخططها لتطوير سلاح نووي عسكري في السر، تماماً كما هو الحال في إيران. ومن أجل إضفاء إثارة على القضية، فإن الصهاينة يدعون أن الأتراك حاولوا عند تفكك الاتحاد السوفياتي شراء قنبلة نووية وتقنيات نووية من إحدى الدول الإسلامية التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي. لكن المحاولات الصهيونية لشيطنة تركيا لا تعرف حضيضاً، فقد زعمت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن تركيا ساعدت في سبعينيات القرن الماضي الباكستان في تخصيب اليورانيوم اللازم لتطوير برنامجها النووي، ناهيك عن تبني تل أبيب اتهامات اليونان، العدو اللدود لتركيا، بأن أنقرة تعكف على تطوير برنامج نووي سري. والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يكون بوسع تركيا مساعدة الباكستان في السبعينيات، وهي حتى الآن لا تملك مفاعلاً نووياً قادرا على تخصيب اليورانيوم. ومن الواضح أن الربط بين الباكستان وتركيا يأتي لتحذير العالم من خطورة «النووي» السني. تماماً كما تحذر «إسرائيل» العالم من إمكانية أن تتجه السعودية لشراء سلاح نووي جهاز من الباكستان.
قصارى القول، نتنياهو يريد أن يحول الاتفاق مع إيران من تهديد إلى فرصة.