أجمل ليالي الحرب !

نشر 22 يوليو 2015 | 06:05

أتحدثُ عن العشرين من يوليو، اليوم الرابع عشر للعدوان على قطاع غزة، يوم أن أعلنت المقاومة الفلسطينية تمكنها من أسر الجندي الصهيوني شاؤول آرون.

قبلها بليلة واحدة، كنت أجلس خلف نافذة شرقية كبيرة، من مكانٍ عَلٍ، أشاهد كل قذيفة وكل صاروخ تطلقه آلة الحرب الصهيونية على أهل الشجاعية، كان المكان مُطلاً بحيث تشاهد كل شيء، لكنّ ما نشاهده من بعيد لا يساوي أبداً ما عاشه أهل الشجاعية الذين رأوا شبح الموت واشتموا رائحته طوال هذه الساعات الدموية.

في الصباح بدأتُ أسمع الأخبار المفصلة عن الجريمة، وأشاهد الصور المؤلمة التي تمكنت بعض الكاميرات من التقاطها في حي الشجاعية، شعرتُ بهزةٍ وارتباك، فهؤلاء أهلنا، وهذه الجريمة كانت الأكبر منذ بداية العدوان، قررتُ إغلاق كل نوافذ الأخبار، لأني سأكون الليلة في التغطية على الهواء، وقد كانت وظيفتنا الأولى في إذاعة صوت الأقصى هي رفع معنويات الغزيين، وتثبيت الجبهة الداخلية، فكيف لي أن أقوم بهذا الواجب، وأنا مهتزٌ من الداخل، وأشعر بمرارة تدفعني للبكاء؟

وبالفعل، فعلتُ ذلك، وشغلت نفسي بقراءة آيات من القرآن، وببعض الأعمال، حتى أنني أذكر يومها أني قمتُ بتعزيل الشقة التي كنّا نبيت فيها، نظراً لعدم استطاعتنا العودة إلى منازلنا خلال الحرب، كان عملاً جاداً، لكنه أبعدني قليلاً عن مشاهد الجريمة المروعة، ودفعني بعدها للنوم العميق، الذي كنت أفتقده منذ يومين.

تسلمتُ دفة التغطية على الهواء في إذاعة صوت الأقصى، قبل ذلك المؤتمر بثلاث ساعات تقريباً، بدأتُ أنقل الأحداث الميدانية، لكن في المقابل، كنت أكرر شيئاً _لم أعِه إلا بعد أيامٍ عندما استمعتُ لتسجيل تلك الساعات_ كررتُ ولأكثر من عشر مرات خلال هذه الساعات التي سبقت مؤتمر إعلان أسر الجندي، أن الله عز وجل سينصرنا الليلة، وأن المكلومين في الشجاعية سيفرحون الليلة، وسيخرجون مهللين مكبرين بنصرٍ من عند الله، بل إننا سنوزع الحلوى الليلة!

كنت أقول كل ذلك _وبصدق_ دون وعيٍ كامل، وكأنه أُجريَ على لساني، فالمشهد الذي كان سائداً في ذلك الوقت، هو عدد الشهداء، وصور جرائم الحرب التي ارتكبت في حي الشجاعية، علاوة على مجزرة ارتكبها العدو في جنوب القطاع، بحق عائلة أبو جامع، واستشهد فيها جُل أفراد العائلة، بالإضافة لقائد معركة الزنة أحمد سهمود، بعد أن مرغ أنف العدو في التراب، فكيف يتحدثُ واعٍ عاقلٌ عن فرحة وتوزيع حلوى!

حين أتى الخبر بمؤتمر مرتقب لكتائب القسام، عدتُ لذات الأمر، وقلتُ بالنص "إن القسام يشفي صدور أهل الشجاعية الليلة، وسيكون هذا المؤتمر تضميداً لجرحاتهم" لكنني هذه المرة قلتُ ذلك بناءً على ثقتي بالله أولاً، ثم بالمقاومة التي لم تتوقف عن إبهارنا وإسعادنا خلال المعركة.

وعندما أطلَّ ذو الكوفية الحمراء، كانت البُشرى، بإعلانه تمكن كتائب القسام من أسر الجندي الصهيوني شاؤول آرون، كنت طوال المؤتمر أهلل وأكبر بأعلى صوتي _قبل أن أعود للهواء_ وما إن عدتُ للتغطية، فما كان مني إلا أن أبدأ بتكبيرات العيد، فقد أتى عيدُنا باكراً هذا العام، كنت أستشعرُ الفرحة التي دخلت على أهل الشجاعية المكلومين، وخروجهم للشوارع ليلاً كما نقلها صوتاً ونقلت كاميرات الفضائيات صورةً، حتى المصابون في المستشفيات خرجوا ليعبروا عن فرحتهم.

لكنّ الذي جعلني أكثر سروراً وعنفواناً هو الفرحة التي دخلت الآن على قلوب الأسود الرابضة خلف زنازين الاحتلال الصهيوني، أسرانا البواسل، خصوصاً أنهم كانوا محرومين من التلفاز والإنترنت، ويتابعون الحدث عبر إذاعة صوت الأقصى، فذكرتُ حينها عباس السيد، وعبدالله البرغوثي، وجمال أبو الهيجا، وحسن سلامة وخطيبته غفران الزامل، وكانت الفرحة أكبر من أن توصف في داخلي .. فكيف لنا أن لا نقول إنها أجمل ليالي الحرب؟!