لقد تلقى المثل القائل «لا يفل الحديد إلا الحديد»، تأكيداً آخر لمصداقيته بعد أن تراجع الكنيست عن مشروع قانون تقدم به وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان ويقضي بفرض حكم الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، الذين تدينهم المحاكم الصهيونية بقتل جنود ومستوطنين؛ وذلك بعد الكشف عن أسر إسرائيليين من قبل حركة حماس في قطاع غزة. وقد تحول ليبرمان إلى مادة للتندر من قبل الصحافيين الصهاينة، الذين قالوا إن ما أقدمت عليه حركة حماس من أسر للإسرائيليين يعني أن فرض حكم الإعدام على أي أسير فلسطيني سيقابله إعدام الأسرى الصهاينة. وعلى كل الأحوال فقد شكل قرار المحكمة الصهيونية برفع الحظر الذي كان مفروضاً على نشر أي معلومات حول قضية الأسر ضربة قوية لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وقلص هامش المناورة المتاح أمامه ووضع حكومته أمام اختبار صعب. فقد بات من الواضح أن حكومة لن تحترم القانون الذي سنه الكنيست قبل عام، والذي يحظر بموجبه الإفراج عن أكثر من أسير فلسطيني مقابل أي أسير صهيوني. ويدرك نتنياهو أنه ليس بوسعه احترام هذا القانون، لأن هذا يعني المغامرة بموجة احتجاجات جماهيرية بالغة الصعوبة. ويعي نتنياهو أكثر من غيره أنه نظراً لأن أحد الأسيرين هو يهودي من أصل أثيوبي فإن قدرته على احتواء الموقف أصعب، لأن الكشف عن عملية الأسر جاء بعد احتجاجات عارمة قام بها اليهود من أصول أثيوبية احتجاجاً على الممارسات العنصرية التي تمارسها مؤسسة الحكم ضدهم، من هنا فإن نتنياهو لن يكون بوسعه صب الزيت على النار من خلال التسويف في انهاء ملف الأسر. وقد جاءت زيارة نتنياهو لمنزل عائلة الأثيوبي أفرهام منغيستو لطمأنتها بأنه سيعمل أقصى ما يمكن من أجل ضمان اطلاق سراحه كخطوة أولى في مسار سيفضي إلى صفقة تبادل أسرى مع حماس. ولا يمكن أخذ تصريح وزير الحرب الصهيوني موشيه يعلون على أن إسرائيل لن تطلق سراح أسرى فلسطينيين مقابل الأسيرين على محمل الجد، حيث إن يعلون يرمي من خلال هذا التصريح إلى دمج القضية ضمن اتفاقية رزمة أكبر تتضمن تخفيف مظاهر الحصار عن القطاع، وذلك من أجل تقليص الثمن الذي ستدفعه إسرائيل مقابل إطلاق سراح الأسيرين. ومما يؤشر إلى أن قطار صفقة التبادل الجديدة انطلق بالفعل، هو ما كشفت عنه صحيفة «ميكور ريشون» الصهيونية، التي ذكرت أن المخابرات الألمانية شرعت بالفعل في عملية جس نبض لدى حركة حماس للتوسط في قضية الأسيرين وجثتي الجنديين الذين تقول إسرائيل انهما قد قتلا خلال الحرب. ولا حاجة للقول إن الاستخبارات الألمانية قد تحركت بناءً على طلب من إسرائيل وليس من حركة حماس. ويذكر أن المخابرات الألمانية لعبت أيضاً دوراً مهماً في الجهود التي أفضت لاتمام صفقة تبادل الأسرى الأخيرة مع حماس، حيث زار مندوبوها كلاً من غزة وتل أبيب من أجل انجاز الصفقة. وإن كان هذا لا يكفي، فقد كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى لنقاب عن أنه قد حدث أول اتصال غير مباشر بين إسرائيل وحركة حماس بشأن ملف الأسرى من خلال جيرشون باسكين، مدير «المركز الفلسطيني الإسرائيلي»، الذي أكد للقناة أنه نقل رسائل أولية بين الحركة وإسرائيل بشأن ملف الأسرى. وقد كان لباسكين دور في التوسط بين حماس وإسرائيل في قضية التبادل الأخيرة.
صيد ثمين
لكن محاولة الكيان الصهيوني عدم منح أهمية كبيرة للأسيرين الإسرائيليين وتصويرهما على أنهما مجرد مدنيين قد ضلا الطريق ترمي فقط إلى تقليص الثمن الذي سيتوجب على إسرائيل دفعه من أجل إطلاق سراحهما. لكن آفي سيخاروف، معلق الشؤون العربية في موقع «وللا» يقول ان الحديث يدور عن «صيد ثمين» في يد حركة حماس. لكن حتى بدون هذه المعلومة، فإنه من الواضح أن حرص نتنياهو على التكتم طوال هذه الفترة على قضية الأسرى تدلل على أن الحديث يدور عن عملية أسر نوعية بشكل خاص. فلعل أحد يتساءل: لماذا لم يطلع نتنياهو حتى المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن عن عملية الأسر، مع العلم أن هذا المجلس هو أهم حلقات صنع القرار. إن السبب يكمن في أن نتنياهو بصفته رئيساً للوزراء هو القائد المباشر لجهازي «الشاباك» و»الموساد»، وهو المخول بالإشراف على العمليات السرية والحساسة التي ينفذها هذان الجهازان. من هنا يمكن القول إن عملية الأسر قد تمت في إطار عملية نفذها جهاز «الشاباك» المسؤول عن مواجهة المقاومة الفلسطينية.
من هنا، يتوجب على المقاومة ممثلة في حركة حماس التعامل بأعصاب من حديد وعدم التعاطي مع الإستراتيجية الصهيونية الهادفة لتقليص الثمن المطلوب دفعه.. فالوقت لا يلعب لصالح نتنياهو.