اللجنة التنفيذية التي أقالت ياسر عبد ربه من أمانة السر، قررت تعيين صائب عريقات في أمانة السر. انتهت معركة المنصب الرفيع، حيث يعد من يتولاه الرجل الثاني في هيكلية المنظمة، ويعد الرئيس القادم إذا توفي رئيس المنظمة، أو اعتراه ما يمنعه من ممارسة مهام عمله. انتهت معركة أمانة السر لتفتح الطريق أمام معركة أخرى أهم وهي خلافة محمود عباس في مناصبه المتعددة، بعد أن بلغ عباس سن الثمانين.
معركة ما بعد عباس بدأت في دول قريبة من فلسطين من خلف ظهر عباس، وقد تداولت هذه الدول أسماء محددة؛ منها كما قيل محمد دحلان الخصم اللدود لعباس، وسلام فياض، ولكن أيا من هذه الدول لم يأت على ترشيح صائب عريقات البتة. لقد فهم تعيين عريقات في أمانة السر بقرار من عباس على أنه البداية التي تمهد الطريق أمام عريقات ليكون رئيساً للسلطة وللمنظمة. بعض رجال فتح يعتبرون تعيين عريقات في هذا المنصب هو بمثابة تعيينه رئيسا للمنظمة، ورئيسا للسلطة بعد وفاة عباس.
لا تجمع فتح على صائب عريقات، ويراه بعضهم بلا مؤهلات تنظيمية متقدمة تسهل له الوصول للمنصب. ولكن فتح عندها مشكلة اختيار فيمن يخلف عباس في مناصبه، فجلّ القيادات متقاربة في الصفات، وهي دون عباس، وضعيفة في علاقاتها الخارجية، وبالذات الدولية. بعضهم يرى أن الولاء لعباس كان مقدما على المعايير التي تتبناها فتح في مسألة اختيار رئيس المنظمة، ولكن في الوقت نفسه فإن عريقات يتمتع بمروحة علاقات دولية واسعة تمكنه من الحفاظ على قنوات الإمداد المالي وجلب عطاء الدول المانحة للسلطة، ومن ثم تحقيق استقرار ما في فتح وفي السلطة.
عريقات بمنصبه الجديد قطع الطريق أمام شخصيتين طموحتين لهما الكفاءة نفسها تقريبا في مجال المال والعلاقات الدولية والخارجية، وهما محمد دحلان، وسلام فياض، ولكن الأخير ليس من حركة فتح، والأول مفصول من الحركة.
هل ستبدأ معركة ما بعد عباس في ظل حياة عباس ونفوذه، بحيث يكون هو من يدير هذه المعركة لصالح عريقات في مؤتمر فتح القادم، وفي الساحات الخارجية؟ أم أنه سيقف عند هذا الحد من الإجراءات في أمانة السر لتكون المعركة على الخلافة بعد وفاته؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال، فالموقف غامض، ونحن في منطقة رمادية، ولكن ربما تظهر بعض ملامحه لاحقا عند انعقاد مؤتمر فتح. ومع ذلك يمكن القول إن عريقات قطع خطوة جيدة على طريق رئاسة المنظمة والسلطة.
جلّ الفصائل المكونة للمنظمة تنتقد احتكار فتح لمنصب رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة، وترفض طريق التعيين الذي يسير فيه عباس، وتطالب بالانتخاب الحر لشغل هذا المنصب، والالتزام بالمعايير المقررة في المنظمة. وفي كل الأحوال نقول إن معركة ما بعد عباس بدأت، واللاعبون في الملعب عديدون، والاختيارات تبقى مفتوحة. والقصة كلها تكشف عن خلل كبير في النظام السياسي الفلسطيني، فهو نظام يقوم على قرار الفرد أكثر من قيامه على قرار المؤسسة.