( لم تستهدف قوات الجيش في ٢٠١٤م أيّ مدني، أو مواقع مدنية، خلال الحرب التي شهدها قطاع غزة، وجميع الأعمال العسكرية كانت قانونية وشرعية، وقد بذلت إسرائيل جهودا حقيقية لتجنب قتل المدنيين ؟! ) بهذه العبارات صدر تقرير حكومة دولة الاحتلال والعدوان عن حرب الجرف الصامد ضد غزة، وقد شكك التقرير الإسرائيلي بنتائج التحقيقات التي تضمنها تقرير لجنة الأمم المتحدة حول جرائم حرب محتملة، وحول عدد القتلى والجرحى حيث جاء في التقرير الأممي مقتل ( ٢١٢٥) فلسطينيا، منهم ( ٩٣٦) عسكريا، و(٧٦١) مدنيا، ووضْع البقية غير معروف.
تقرير الحكومة الإسرائيلية جاء في (٢٧٧) صفحة، وصدر عن وزارة الخارجية، وهو يستبق تقرير لجنة الأمم المتحدة، ويكذبه، ويشكك بمضامينه، ويعطي البراءة التامة للحكومة وللجيش. وفي هذا الاتجاه هاجم نيتنياهو التقرير الدولي، وقال : ( إذا كان هناك من يريد أن يعرف الحقيقة فعلية قراءة التقرير الصادر عن حكومة إسرائيل، وقراءة تقارير كبار جنرالات الجيش، ومن يريد أشياء لا أساس لها وتوجيه الاتهام التلقائي ضد إسرائيل فليضع وقته في قراءة تقرير الأمم المتحدة؟! )
نيتنياهو يقول لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وللجنة التي أعدت تقريرا فيه إدانة بقتل الجيش للمدنيين، وشبهة ارتكاب جرائم حرب: لا قيمة لتقريركم أمام تقرير حكومة إسرائيل، ومعلوماتكم عن القتلى المدنيين مزيفة، والالتفات إليه مضيعة للوقت؟! وبهذا تتحدى دولة العدوان الأمم المتحدة، كما تتحدى الواقع وحقائقه الدامغة التي عاشها سكان غزة ، وعاينوها عيانا، وعورفها العالم من خلالهم، فصور مقتل المدنيين والأطفال ملأت الفضائيات ووسائل الإعلام الجديد، وقد أجمعت الإحصاءات التي قامت بها جهات مختلفة على عدد القتلى والجرحى، وأجمعت على التصنيفات التي ذكرت العسكريين والمدنيين، وما بين هذه الجهات من اختلافات كانت طفيفة، ومع ذلك فإن تقرير حكومة الاحتلال ينسف الحقيقة، ويقلبها رأسا على عقب ؟!
من الذي منح حكومة العدوان القدرة على الكذب وعلى التحدي، بينما لا تستطيع دولة أخرى في العالم القيام بمثل هذا؟!
إن سؤال القدرة والتحدي هذا في غاية الأهمية في أية عملية تقيمية لقدرة الأمم المتحدة في مواجهة دولة العدوان والاحتلال، وهذا العملية تؤكد ضعف الأمم المتحدة أمام إسرائيل، والسبب في ذلك لا يرجع لقوة إسرائيل العسكرية والمالية، ولكنه يرجع في الأغلب لعاملين :
الأول ضعف الأداء الفلسطيني والعربي في مواجهة تقرير حكومة الاحتلال، فلم يصدر عن الفلسطينيين والعرب حتى تاريخة تقرير ذو مغزى يواجه التقرير الإسرائيلي أو يسبقه ، ويدعم التقرير الدولي بالمعلومات والوقائع، وما زالت السلطة تتلكأ في الطلب من محكمة الجنايات التحقيق في جرائم حرب ٢٠١٤م.
والثاني يرجع إلى المعاملة الخاصة التي تعامل بها أميركا والغرب إسرائيل، وتسمح لحكومتها أن تكون فوق القانون الدولي والإنساني، وتميزها عن غيرها من الدول في المعاملة ، الأمر الذي شجع إسرائيل على ارتكاب جرائم حرب خارج القانون لأنها تأمن العقاب، ولقد ساعدتها أميركا وأوربا على الإفلات منه مرات متعددة، لا سيما من تقرير غولدستون عن حرب ٢٠١٢م، ووقف الفلسطينيون والعرب عاجزون يقضمون أظافرهم ، هذا عن من يحسن الظن بسلوكهم.