في زمن انقلاب المعايير.. تحرير فلسطين يصبح حراماً

نشر 30 مارس 2008 | 10:17

 

ما الذي اختلف في العالم العربي حتى باتت بعض الأنظمة ووسائل الإعلام في موقع المهاجم لكل قوى المقاومة لإسرائيل والداعم للكيان الصهيوني؟!
 

لا تبارحك التصريحات التي تلقي باللوم على حركة حماس في فلسطين وتطالبها بما لا تطالب به إسرائيل، وتهاجم الحركة المقاومة بدعوى تحصيلها الدعم من إيران وحزب الله في لبنان.

لا شك أن تغيرات كبيرة طرأت على الساحة السياسية العربية وبدأت بالتبلور منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وصولا إلى اتفاقيات وادي عربة، وبعدها مفاوضات أوسلو وخارطة الطريق.
 
عزلت هذه الاتفاقيات السابقة أنظمة بأسرها عن القضية الأساس: تحرير فلسطين، على الرغم من انه لم تمض على احتلالها القرون. جهدت منذ ذلك الحين الماكينات السياسية في إجراء العمليات التجميلية لما حصل وفي ضخ الأفكار التي تروج للتسوية مع إسرائيل وتدعو للالتحاق بالقطار قبل فوات الأوان.
 

 واستمر الأمر من دون مجاهرة إلا من النظامين المصري والأردني، في حين نادت بقية العرب باستعادة الحقوق العربية وتحرير الأراضي المحتلة.

زمن الحلم

جهدت الولايات المتحدة على فترة ليست قصيرة لتعميق ارتباطاتها بمصر والأردن ودعم بعض الأحزاب والتوجهات والشخصيات المروجة لفكر التسوية.
 
 وأضحت المقارنة سهلة بين النهج الناصري وما تلاه، حتى انه بات نهج الرئيس المصري الراحل أنور السادات هو السائد والغالب.
 
يستمر البعض بإعلان التأييد علنا، أو على الأقل المجاهرة بالعداء لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان. وفي الوقت نفسه استمرت التدفقات النقدية الداعمة من شخصيات اقتصادية كبيرة وعربية لهذه الحركات التي نمت بشكل كبير، خصوصا مع تجربة المقاومة في لبنان التي بدأت مع القوى الوطنية وأكمل مسيرتها حزب الله، وأخذت منها المقاومة الفلسطينية الكثير لتنتج انتفاضة الأقصى الثانية عام 1998.
 
تتابعت الأمور على هذا المنوال حتى عام 2002 حين عقدت القمة العربية في بيروت، فضغطت المملكة العربية السعودية باتجاه ما سمي المبادرة العربية للسلام، وسارع يومها الكيان الإسرائيلي إلى القول إنها لا تساوي الورق الذي كتبت عليه.
 
منذ ذلك الحين توالت المبادرات العربية السخية وتوالى الرفض الإسرائيلي.
 
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استغرقت التنازلات إلى حد دفع بعض الدول للتخلي عن المطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بحجة إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي المستمر منذ 1948.
 
المشروع الأميركي
 
كانت هذه المرحلة هي الفترة التي تبلورت فيها الخطط الأميركية الجديدة للمنطقة. فكان غزو العراق وتقسيم العالم إلى محوري الخير والشر. عملت أجهزة الإعلام الأميركية على خلق الأعداء المفترضين للعرب وأبعدت الكأس عن إسرائيل. فتذبذبت العلاقات وأضحت إيران هي الهاجس في دوائر الدبلوماسية العربية، وبدأ الحديث عن تصدير الديمقراطية إلى العالم العربي وعن ولادة الشرق الأوسط الجديد الذي تحدثت عنه وزير الخارجية الأميركية كونداليسا رايس وأنكره العرب في كل تحركاتهم.
 

رفعت «إيران الشاه» علم إسرائيل وسمحت بالتمثيل الدبلوماسي لها، وسميت في وقتها «شرطي الخليج» مدعومة دائما من الولايات المتحدة التي حمت النظام الشاهنشاهي إلا أنها لم تلق العداء من العرب. أتت ثورة آية الله السيد روح الله الموسوي الخميني وأطاحت النظام الشاهنشاهي وأعلنت العداء لإسرائيل، وسرعان ما قابلتها اغلب الدول العربية بالعداء ذاته ودعمت حرب العراق عليها.

التهمة.. إيراني
 
مرت السنون وانطلقت الحملة على القوى المقاومة. فأضحى حزب الله في لبنان مرتبطا بإيران على الرغم من أن قتاله لم يتجاوز تحرير الجنوب اللبناني والمطالبة بما تبقى من مزارع شبعا وتحرير الأسرى. وانطلقت الحملة على حركتي حماس والجهاد الإسلامي بدعوى أنهما تتلقيان الدعم المادي من غيران على الرغم من أن مقاومتهما لم تنطلق إلا لتحرير الأراضي الفلسطينية ووقف الاستبداد الإسرائيلي.
 
انقلبت الأدوار وبات الأعداء هم سوريا إيران وحركات المقاومة، فيما أبعدت الأضواء عن الكيان الإسرائيلي. اقتنعت بعض الأنظمة العربية بان عليها تصفية حركات المقاومة وإلا فستفقد مكانتها بالنسبة للغرب الذي لم يقدر على تنفيذ المهمة بنفسه، خصوصا بعد خسارة الكيان الإسرائيلي حربه في يوليو 2006 مع حزب الله في لبنان. أضحى المطلوب أكثر بكثير، وهو عزل الدول الداعمة والقضاء على الحركات المدعومة.
 

ضخمت الحملة الإعلامية التي بثت للشعوب آن إيران الفارسية تريد استرجاع إمبراطوريتها في زمن الستاتيكو العالمي للحدود، ونُشر الخوف من التشيع ولم تنشر أي من معاني المقاومة ولم تدعم الحركات المقاومة من قبل العرب، بل تركت لقدرها أو حتى حوربت وحوصرت.

ينادي الدين الإسلامي بعدم الإذعان للظالم ومقاومة المحتل، ويفرض الجهاد على المسلمين، وفلسطين احد مصاديق الجهاد لم تعرها الأنظمة الاهتمام في زمن العولمة وتبدل المفاهيم والطفرات الاقتصادية والاهتمامات المادية التي تطغى على الأمور الدينية.

خيار الهزيمة
 
بعض الأنظمة لم تعد تعير الآذان، ولم تعد تريد أن تسمع كلمة مقاومة. وأضحى التنظير للهزيمة وضرورة التعاطي مع الأمور بواقعية وتضخيم القوة الإسرائيلية - القوية بالفعل - هاجسا لدى ماكينات صناعة الرأي العام.
 

أصبحت الحركات المقاومة «حركات شاذة» بالمعنى الذي يراد له أن يكون، حركات تجذف عكس التيار. وأصبح التيار الداعي للتسوية على حساب القيم الإنسانية والدينية والوطنية هو السائد.

حتى الأمس القريب كانت تنظم المؤتمرات الداعمة لفلسطين وللمقاومة، وكانت تزخر خطب المساجد بالحديث عينه، وكانت تجمع الأموال. أما اليوم فقد أضحى تجفيف مصادر تمويل الحركات الإسلامية هاجسا عاما. انقلبت المعايير. أئمة المساجد ممنوعون من الحديث. بات المستعد للتضحية حالماً في نظر الغير. أصبحت المقاومة ضربا من الخيال. وقد نسمع في المستقبل من ينظّر في حرمة المقاومة من الناحية الشرعية.