لسنا من أنصار الرد أو التعليق بشكل مباشر على كتاب الرأي لأنني أؤمن أن من حق الكاتب أن يعبر عن مواقفه بحرية تامة اتفقنا معه أو اختلفنا فهذه هي طبيعة الأشياء الناس ليسوا سواء فيما يعتقدون أو يؤمنون وإلا لما وجدنا التمايز إن لم يكن هناك اختلاف في قضايا فكرية أو سياسية، فمنطق الأشياء هو الاختلاف وليس التوافق في كل شيء ليتحول الواحد منا إلى نسخة كربونية من الآخر فيقتل الإبداع ويتحول المجتمع من الديناميكية إلى الاستاتيكية والثبات الذي يؤدي إلى التكلس فالاندثار أو الجمود المدمر.
لكني اليوم سأخرج عن القاعدة بعيدا عن الهجوم أو التجريح بل من أجل توضيح بعض الأمور الخاطئة من وجهة نظري في مقال للدكتور إبراهيم أبراش في موقع دنيا الوطن والذي حمل عنوان (التباس الموقف المصري من القضية الفلسطينية) والذي اتفق معه فيما تقدم في هذا المقال في التشخيص والعرض الذي خلص إليه ؛ ولكن هناك نقاط اختلف فيها مع أستاذ وباحث وسياسي احترم كتباتها وإن اختلفت معه في بعض المواقف والتي أرى أنها لم تخضع لمنهجي السياسي المخضرم خلط فيها أبراش بين مواقفه الشخصية وتحديدا من حركة حماس وبين المنهجية العلمية التي يتمتع بها باحث وأستاذ في علم السياسة مثل الدكتور إبراهيم أبراش.
استهل الدكتور أبراش مقاله بمقدمة صحيحة وواقعية ملموسة واتفق معه فيما ذكر جملة وتفصيلة والتي ختمها بهذه المقولة الجميلة والتي شخص بها بدقة عالية (... حيث تجري عملية ممنهجة لفك الارتباط التاريخي والمصيري والاستراتيجي والنفسي ما بين فلسطين والأمة العربية) أما موضوع الشعوب اختلف مع الدكتور أبراش وأرى أن موقف الشعوب هو موقف مؤقت سببه الأول والأخير هو الإعلام وما يقوم به من دعاية مضادة مرسوم لها بدقة في دوائر عالمية الهدف منها ما أشار إليه أبراش هو فك الارتباط التاريخي والمصيري ما بين فلسطين والأمة ولكنه تأثير مؤقت يزول بوقف هذه الحملة التحريضية على فلسطين وسيعود المد الجماهيري متعاطفا مع القضية والشعب بزوال السبب، وهذه نقطة الاختلاف كانت في الفقرة الثانية من المقال المشار إليه.
أما الفقرة الثالثة اتفق تماما مع الأستاذ الدكتور أبراش وهو تشخيص إن دل يدل على قراءة معمقة في الواقع العربي بني على معلومات حقيقية ملموسة، أما الفقرة الرابعة من المقال أيضا فقرة بارعة شخص فيها كاتب المقال الواقع الذي يجري بشكل ممنهج في مصر من طريقة التعامل مع الفلسطيني بهذه الطريقة غير المألوفة والتي تهدف إلى ما خلص إليه الدكتور أبراش في الفقرات السابقة والحالة المصرية هي فريدة في نوعها وربما هي الأكثر بروزا من بقية الدول العربية التي تتصرف بحذر مع الفلسطينيين ولكن بشكل أكثر أدبا من الطريقة التي يتعامل بها الجانب المصري والتي يمكن وصفها بالطريقة القذرة والمهينة لعراقة مصر وأصالتها في تعاملها مع الفلسطينيين.
أما الفقرة الخامسة فهي فقرة اختلاف كبيرة مع أبراش وخاصة عندما يقول (ومع رفضنا وتنديدنا بمواقف وتصريحات تصدر عن حركة حماس تؤكد تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين ، ورفضنا وتنديدنا لكل محاولة من حماس أو غيرها للتدخل في الشأن الداخلي لمصر) فنقول للدكتور إبراهيم أبراش حماس منذ نشأتها لم تخف أنها جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين وهذا ليس جديدا على الدكتور أبراش وهو يعرف حماس وانتمائها الفكري لجماعة الإخوان المسلمين وان هذا الانتماء ليس اكتشافا جديدا حتى تندد وترفض تأكيد حماس على الانتماء لجماعة الإخوان، ثم لماذا تستنكر يا دكتور أبراش وأنت صاحب الفكر اللبرالي أو التقدمي وتعتز بهذا الانتماء رغم أنه دفن ومات ولم يعد له وجود إلا لدى مجموعة من القدامى، هذا الشعار الذين لم يعد له تأثير في الساحة السياسية العربية وبات أصحابه محشورين في زاوية عتمة توظف بين الحين والآخر لخدمة أهداف خبيثة ضد بروز الظاهرة الإسلامية لدي الشعوب العربية والإسلامية..
ثم نطلب من الدكتور أبراش بحيادية الباحث المهني العالم والخبير عندما يتهم حركة حماس بالتدخل بالشأن المصري وذلك في قوله ( ورفضنا وتنديدنا لكل محاولة من حماس أو غيرها للتدخل في الشأن الداخلي لمصر ) ما هو دليلك على محاولة حماس التدخل في الشأن المصري ، مثلك مطالب دون أن يطلب منه أحد عندما يتحدث أن يحضر الدليل على ما يتحدث به، ونسأل ما هو دليلك يا دكتور أبراش على تدخل حماس في الشأن المصري وأنت العالم أن حماس ما تدخلت يوما في أي شأن عربي وهي القادرة حتى تتدخل في الشأن المصري، أم أن الكراهية لحماس والإسلاميين بشكل عام هو المحرك للتساوق مع ما يروج له الإعلام المصري وبعض أطراف النظام المصري، لقد تعامل يا سيد أبراش نظام مبارك مع حماس وهو يعلم أنها تنتمي إلى جماعة الإخوان ولم يكن في ذلك مشكلة ونفس الأمر تعامل محمد مرسي مع حماس على هذه الحقيقة والتي تعرفها كل الأنظمة العربية ويعرفها الشعب الفلسطيني الذي اختار حماس بإرادة وقناعة في انتخابات 2006، أنا أتمنى على الدكتور أبراش أن يدعم ما يقول بأدلة تثبت صحة قوله حتى نؤكد على شجبه واستنكاره، وإذا لم يستطع يبقى ما يقوله كلاما مرسلا وعندها الأمر سيرد إليه مما يشكك في مهنيته العلمية وصدقيت الاتهام الموجه لحماس.
اتفق مع أبراش فيما طرح في الفقرة السادسة من مقاله من بدايتها حتى نهايتها وخاصة ما يتعلق بصناعة الكراهية ليس لحماس كونها تنتمي إلى جماعة الإخوان التي يعاديها النظام والذي لم يستطع أن يفصل بين أخوان مصر وإخوان فلسطين رغم انتمائهما إلى جماعة واحدة ، صحيح أن كلاهما ينطلق من منهج فكري واحد ولكن لكل منهما تنظيم مستقل في السياسات وفي الأدوات وفي طريقة التفكير في الخلاف والاختلاف مع الآخرين، وهذا هو الخلل الذي وقع فيه النظام المصري والذي أدى إلى سحب العداء إلى كل من ينتمي للإسلام فكرا منهجا وتنظيما، وأخذت الماكنة الإعلامية التي تنطلق من محددات المخابرات المصرية ودوائر صناعة الكراهية الأمر الذي انعكس على الشعب المصري البسيط والذي يتأثر سريعا، ولكن المؤسف أن تنخدع قامة علمية مثل الدكتور أبراش بما يردده الإعلام المصري ليتهم هو الآخر حماس بالتدخل بالشأن المصري، فالمنطق يا دكتور أبراش يطلب منك أن تضع كراهيتك لحماس جانبا وأن تتحدث بأسلوب مهني وعلمي وليس من باب الحب والكراهية.
يعود الدكتور أبراش في الفقرة السابعة ليتحدث عن أخطاء تنسب لحماس الاخوانية حسب قول ووصف أبراش الذي يشير بشكل أو آخر أن حماس حركة إرهابية وهذا عيب في التفكير والمستند إلى عوامل نفسية منطلقة من مواقف إيديولوجية وليست مستندة إلى إدالة مهنية وعلمية، ولا غضاضة على ما يبدو لدى الدكتور أبراش أن تتعامل مصر مع حماس ومن ينتمي إليها على أنهم إرهابيون ومخلون بأمن مصر وملاحقتهم والتخلص منهم واجبة، وهذا أمر يجعلنا نتشكك بانتماء أبراش للشعب الفلسطيني بكل أطيافه وهذا يدلل على عنصرية في التفكير لدى الدكتور أبراش تجعل التشكيك في ما يكتب قائما ولا ينتمي إلى أصحاب المنهج العلمي المنصف وإن اختلف.
ثم يعود أبراش في الفقرة الثامنة ليشير إلى تصريحات وممارسات لحركة حماس تجعل القيادة والشعب المصري يقلق على أمنه، وكنت أتمنى أن يستشهد الدكتور أبراش بتصريح رسمي صادر عن حماس أو ممارسات لحماس تهدد الأمن المصري حتى يكون تأكيده على حق مصر بالغصب حقيقي، ثم كيف علم الدكتور أبراش أن شعبية حماس في قطاع غزة في تدهور مستمر دون أدوات قياس للشعبية بعيدا عن الكلام المرسل وما يثار عبر بعض وسائل الإعلام، فمعرفة الشعبية يستند إلى انتخابات حقيقية تظهر صناديق الاقتراع من يتمتع بالشعبية ومن تتراجع شعبيته واعتقد أن هذا الحكم من أبراش أيضا لا يستند إلى منهجية علمية وإذا أحسنت الظن يبقى في ظل الأمنيات التي يتمناها أبراش وهي أمنيات نابعة من مبدأ الكراهية لحماس، وليس بالمنطق العلمي السليم.
ثم يخطئ أبراش عندما يتحدث عن أن حماس تصادر قطاع غزة وهذا خطأ كبير وقع فيه أبراش منطلقا أيضا من كراهيته لحماس لأنه تناسى وبشكل متعمد أن صندوق الانتخابات هو الذي أوصل حماس للحكم وليس المال المجتبى من الضرائب أو المستند إلى القوة العسكرية، ثم هذه الضرائب التي تجبى من المواطنين هي أمر طبيعي تفرضه كل المؤسسات المسئولة عن شعب، ولولا هذه الضرائب التي تجمع من أصحاب الدخل لتنفق على إدارة البلاد ولا توضع في مصالح خاصة وشخصية، ثم يعود أبراش لمغالطاته بأن حماس تصادر القطاع ولو كان الأمر كذلك لما تنازلت حماس عن الحكم والحكومة بعد اتفاق الشاطئ الذي يعطله محمود عباس من خلال رفضه أن تقوم حكومة التوافق بدورها الحقيقي والمنوط بها.
في الفقرة التاسعة من المقال يكشف أبراش عن رغبة حقيقية بمعاقبة حماس بل ينصح الكاتب كيف تتعامل مصر مع حماس ، ويكمل نصائحه للنظام المصري في الفقرة العاشرة أن يمكن لمصر وأجهزتها الأمنية أن تمنع عناصر حماس ومن ينتمي إليها من العبور من المعبر حتى لو كانوا مرضى أو طلبة أو أصحاب أقامات في الخارج وإبقاءهم داخل سجن اسمه غزة الأمر الذي من شأنه أن يضعف حركة حماس ويعزز مكانة مصر لدى الشعب الفلسطيني، تفكير عنصري مقيت مرفوض من يفكر به لا ينتمي إلى فلسطين أرضا وشعبا وأنا لا اقبل أن يكون أبراش من هذا الصنف واعتبر أن هذه سقطة أخلاقية سقط بها أبراش وصل فيها إلى مستوى متدني ومرفوض.
مصر بالنسبة لحماس هي بعد استراتيجي وعمق عربي للقضية الفلسطينية وحماس تؤكد دوما على مكانة مصر ودورها ، أما معادة مصر للشعب الفلسطيني فأنت من تحدث بها عندما أشرت إلى صناعة الكراهية التي تمارس في مصر ضد الشعب الفلسطيني ، ثم تقول أنت يا دكتور في قضية التحول في العداء من إسرائيل إلى الفلسطينيين (إن تحويل مؤشر العداء من إسرائيل إلى الفلسطينيين وهو عداء بدأ يتغلغل إلى نفوس الشعب المصري وينعكس في سلوكياتهم تجاه الفلسطينيين ، هذا التحول سيؤدي لأن يفقد الفلسطينيون دولة وشعبا من أهم دول وشعوب المنطقة...) ومن يصنع ذلك أليس النظام فأنت تتهم النظام المصري بصناعة الكراهية وهذه حقيقة ، فهل اعتبار هذه الحقيقة تطاول على مصر وانتقاص لدورها أم انه نصيحة بأن لا تقع مصر في هذا الخطأ التاريخي والذي قد تتأثر به شعوب ودول أخرى ما يشكل انتصار (لإسرائيل) ، ( ما قد يؤثر على مواقف شعوب ودول أخرى،الأمر الذي يشكل انتصارا كبيرا لإسرائيل ودافعا قويا لها لتنفرد بالفلسطينيين ولتستكمل مشروعها الاستيطاني والتهويدي في الضفة والقدس ...) مغالطة كبيرة يقع فيها الدكتور أبراش ويردد بلا تفكير وعي أكاذيب حول دولة غزة صنعت من اجل التشكيك في حماس وتشويهها بشكل ممنهج ومقصود كان الأولى بالدكتور أبراش أن يبتعد عنها ولكنه سقط مرة أخرى في ترويج مثل هذه الموضوعات عندما يتحدث عن ما اسماه هو (مشروع دويلة غزة الإخوانية على حدود مصر) وهذا يحمل درجة عالية من التحريض على حماس حول دويلة غزة أو الإمارة الإسلامية وغير ذلك من أفكار تحريضية تشويهية تهدف للنيل من حماس يتساوق معها أستاذ العلوم السياسية على أنها حقائق ويتحدث عنها بثقة لا تسند إلى دليل ونسي أبراش أن يزيد أن امتداد هذه الدويلة سيكون داخل سيناء ولكن خشي أن تتوسع الأكذوبة فيفتضح أمره.
في الفقرة قبل الأخيرة نعود لنتفق مع أبراش في جزئيات كبيرة منها ، ولكن نؤكد وهذه نقطة الخلاف مع أبراش في غمزه ولمزه في السطور الأخيرة مسوقا لنفسه بأنه الحريص على مصر ومكانتها ويقول (ولكن ما يدفعنا للكتابة حول الموضوع حتى من منطلق نقدي هو حرصنا وغيرتنا على مصر الشقيقة وعلى دورها الريادي في المنطقة ، و تلمسنا ومعرفتنا لأهمية ومركزية مصر في صراعنا مع إسرائيل ، ولقطع الطريق على من يريد توظيف معبر رفح وحصار غزة لفك الارتباط التاريخي بين فلسطين ومصر)، وهنا نقول للدكتور أبراش الكل حريص على دور مصر الريادي ودورها في التصدي للمشروع الصهيوني لأن الجميع يدرك ما لمصر من مكانة لا غنى للقضية الفلسطينية عنها.
أما الفقرة الأخيرة فهي كلمة حق في كثير منها ، ولكن ما لا تريد أن تفهمه دكتور أبراش أن حماس همها ليس قطاع غزة بل همها كل فلسطين وتسعى مع قوى المقاومة على التأكيد على الحق الفلسطيني بكل فلسطين وليس كما يتوهم البعض بإمكانية الشراكة وتقسم الأرض مع الغاصبين، ثم لا ادري لماذا هذا الحشر لقطر وتركيا في هذا الموضوع ، فهل تعاقب قطر وتركيا على وقوفهما إلى جانب الشعب الفلسطيني وهل نحن نفرق بين هذه الدولة وتلك، نرفع من شان مصر ونحط من شأن قطر وتركيا ونحن بحاجة إلى الكل الأمر الذي يفقدنا التوازن.
دكتور أبراش اختم وأنصحك أن تلتزم قواعد المهنية العلمية التي تعلمها لطلابك وان لا تنساق خلف مواقفك الشخصية وكراهيتك لحماس والحركة الإسلامية وأن لا تبتعد عن التشخيص العلمي السليم لأن ذلك يشكل نوعا من ضرب لمصداقيتك ومهنيتك ويخرجك عن المنهج العلمي يجعلك عرضة للنقد.