شكل مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلادمير بوتين قبل أسبوعين، بالنسبة للعديد من النخب الإسرائيلية، دليلاً إضافياً على تحقق التداعيات السلبية لاتفاق «لوزان» المتعلق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني. فحسب عوديد جرانوت، معلق الشؤون العربية في قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى فقد وبخ بوتين نتنياهو على مطالبته بوقف بيع منظومة الدفاعات الجوية الروسية المتطورة«S300» لإيران. ونقل جرانوت عن بوتين قوله لنتنياهو:»يجب أن تشكروا لروسيا لأننا لم نزود هذه المنظومة لسوريا، نحن ماضون في هذه الصفقة ولن يوقفنا أحد». وحسب جرانوت، فإن بوتين دافع عن قراره تعزيز العلاقات مع إيران وجاهر بأن موسكو تراهن على العوائد الاقتصادية لهذه العلاقات. وقد لفت بوتين أنظار نتنياهو إلى أنه في ظل الحصار الذي يفرضه الغرب على روسيا بسبب ما يجري في أوكرانيا، فإن موسكو لا يمكنها أن تتنازل عن المليار دولار التي ستحصل عليها جراء الصفقة مع طهران». ويتضح إن المكالمة بين بوتين ونتنياهو دللت بما لا قبل الشك على أن الروس حسموا أمرهم وباتوا معنيين بأن يكونوا السباقين إلى استثمار الطاقة الكامنة في رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران ويريدون قطع الطريق على أية دولة أخرى لمنافستهم في استثمار الفرص الاقتصادية الجديدة. وقد أجمع المراقبون الصهاينة الذين تناولوا الموقف الروسي من إيران بعد «لوزان» على أن بوتين يغازل إيران من خلال التنسيق معها في الكثير من الملفات بشكل يفضي إلى تعزيز مكانتها الإقليمية. ومما لا شك فيه أن أكثر ما صدم دوائر الحكم في تل أبيب هو حقيقة أن الموقف الروسي دفع قوى عالمية أخرى تراهن تل أبيب على العلاقة معها إلى محاولة التقرب من طهران والتوصل لصفقات معها. فقد باتت تل أبيب منزعجة جداً من حرص الحكومة الهندية على جس النبض لدى إيران وتقديمها عروضاً للتعاون مع طهران.
ويذكر أن نتنياهو جاهر برهانه الكبير على تطوير العلاقة مع حكومة اليمين المتطرف في نيودهلي برئاسة نيرمندا مودي، تحت غطاء التنسيق ضد الإسلام المتطرف. لكن في المقابل،فأن نخب الحكم في تل أبيب ترى أن للسلوك الروسي تأثير إيجابي واحد،يتمثل في أنه يقلص هامش المناورة أمام الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ويعزز موقف الأغلبية الجمهورية في الكونغرس التي ترى في «لوزان» اتفاقاً «كارثياً». ويقول مقربو نتنياهو إنه بات بالإمكان توظيف الموقف الروسي في إقناع المزيد من النواب الديمقراطيين بضرورة رفض الاتفاق. وهناك من وجد في الموقف الروسي مسوغاً للسخرية من حرص القيادات الإسرائيلية على تملق بوتين لسنين. وقد قال المعلق يوسي ميلمان إن بوتين اختار أن «يبصق» في وجه نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، الذي راهن بشكل خاص كثيراً على تعزيز العلاقات مع موسكو. وحسب ميلمان، فقد اختار بوتين الطاقة الكامنة والواعدة في السوق الإيراني، مشيراً إلى أن الروس يطمعون في بيع بضائع لطهران بقيمة 20 مليار دولار. وحسب القراءة الإسرائيلية، فإن بوتين اختار ببساطة أن يقطع الطريق أمام الشركات الأمريكية العملاقة لاستغلال سوق الاستثمارات الإيرانية بأن يضمن مسبقاً حصة روسياً. لكن بخلاف مزاعم الكثيرين من صناع القرار في تل أبيب، فإن عدداً من المراقبين الصهاينة يرون أن تزويد روسيا لإيران بمنظمة«S300» لن يؤثر على قرار تل أبيب باستهداف المنشآت النووية الإيرانية، لأن «إسرائيل» ببساطة غير قادرة على ضربها سواءً حصلت طهران على هذه المنظومة أم لم تحصل.
وقد بات بشكل مؤكد أن «إسرائيل» تدفع في الواقع ثمن الصراع الروسي الأوكراني، في حين تغرف إيران من عوائده الإيجابية. وهناك في «إسرائيل» من يرى أن الغرب هو من يتحمل المسؤولية عن دفع روسيا للارتباط بالمحور الإيراني. وحسب الباحث آرييه جايجر فإنه كان يتوجب على الغرب الحرص على «احتضان» روسيا بدل عزلها، بسبب سلوكها تجاه أوكرانيا، محذراً من أن إيران فقط تستفيد من التعاطي الغربي تجاه روسيا. وفي مقال نشرته صحيفة «ميكور ريشون» في عددها الصادر الجمعة الماضية، كتب جايجر:»في الوقت الذي تبدي الولايات المتحدة خنوعاً تجاه إيران فإنها تبدي تشدداً تجاه روسيا»، محذراً من أن العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا بسبب تدخلها في أوكرانيا هو من دفع بوتين لتعزيز علاقاته مع الإيرانيين. وحث جايجر الإدارة الأمريكية على عدم إبداء أي حساسة تجاه ما يحدث في أوكرانيا وأن تسارع لمد يد العون للروس ومحاولة استرضاء بوتين لمنع انضمامه للمحور الإيراني.
ويرى جايجر وعدد من المراقبين في تل أبيب أنه مازال بالإمكان تدارك الأمر وتغيير نمط التعاطي الغربي مع روسيا حتى تكون رديفاً قوياً للغرب في مواجهته ضد إيران. وقد اختارت بعض النخب الصهيونية أن تذكر بوتين بأنه يرتكب خطأً كبيراً عندما يسمح بتحول إيران إلى قوة إقليمية قد تصبح نووية. وتدعي هذه النخب موسكو من أن إيران يمكن أن تعمل في المستقبل على إثارة الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والأقلية المسلمة في روسيا ضد موسكو.