كان يشير نظام الأبوات الفلسطيني إلى فكر ثوري فلسطيني يهدف إلى تحرير الوطن وطرد الصهاينة الغزاة. وقد حرص قادة فلسطينيون بالأخص من حركة فتح على تسمية أنفسهم أبويا ليشير إلى ثوريته ومدى التزامه بالقضية الفلسطينية والقتال ضد إسرائيل. انتشرت أسماء أبوات رنانة ومتعددة أذكر منها أبو شامخ وأبو صادم وأبو كفاح وأبو نضال وأبو قاهر وأبو الليل وأبو الهول وأبو عازم وأبو ثائر وأبو النصر، الخ.
كان يحمل الاسم دلالة وطنية إلى درجة أن أطفالا كانوا يتعجلون الأمر ويتبنون لقبا تيمنا بهذا الثائر أو ذاك. وقد عرف الشعب الفلسطيني العديد من الأشخاص بألقابهم الأبوية ودون معرفة أسمائهم الشخصية في الكثير من الأحيان.
لقد تأثر وهج هذه الألقاب سلبا بعد اتفاق أوسلو لأن فكرة التحرير قد أصيبت بضربة قوية. لقد انهارت الفلسفة الكامنة وراء اللقب مع ظهور طاولة المفاوضات، ولم تعد فكرة القتال والجهاد هي المهيمنة على الأبعاد الثقافية والفكرية والوطنية الفلسطينية. ولهذا لوحظ تراجع كبير في استخدام نظام الأبوات بعد إقامة السلطة الفلسطينية وأصبح التركيز على الأسماء الشخصية. لم تغد هناك ثقة بالدلالات الأصلية للألقاب الأبوية من قبل حاملي الألقاب ومن قبل الناس العاديين، حتى أن الأطفال لم يعد لديهم توجه نحو حمل لقب أبو.
ظهر مؤخرا نظام أبوات جديد له مدلولات ودلالات جديدة نابعة من أجواء الفساد التي صنعتها السلطة الفلسطينية. فظهر مثلا لقب أبو الطحين للتدليل على سرقة الطحين أو استعمال الطحين الذي يأتي كمساعدات للناس لتحقيق أرباح مادية شخصية. وهناك الآن أبو الأسبرين والأكامول للتدليل على مزوري الأدوية، وهناك أيضا أبو الجوالات للتدليل على مهرب الجوالات من الخارج، وهناك أبو النسوان للتدليل على خسة شخص نسويا، وأبو الشنط وأبو العنزات، وأبو الآثار وأبو الجرافات.
انهار نظام الأبوات القديم ليظهر نظام أبوات جديد يعبر عن مرحلة جديدة في التاريخ النضالي الفلسطيني. هذا نظام جديد يسيء للشعب الفلسطيني، ويجعل من الشعب صغيرا أمام الشعوب والأمم الأخرى، ويجعل الناس صغارا جدا أمام العدو الصهيوني الذي من المفروض أن يصاب بالارتعاش من عزة نفوس الفلسطينيين وشموخهم. لقد أذل هؤلاء الأبوات الجدد شعب فلسطين، وجعلوه مادة للتندر والهزء والاستسخاف والاستخفاف. نحن شعب فلسطين نتحمل المسؤولية أولا وأخيرا، لأن السنين تمر ونضالنا ضد هؤلاء لا يتجاوز المجالس الخاصة. نحن نهمس بحكاياتهم، ونغمز ونلمز، لكننا عند المواجهة ندير ظهورنا، وربما لا نبخل ببعض عبارات النفاق.
علينا أن نقف بجرأة وشجاعة لمواجهة هؤلاء الفاسدين الذين يعيثون في الأرض الفساد، ويدمرون كل مقومات الشعب الأخلاقية والوطنية والاجتماعية والاقتصادية.