عندما يقدس الأشخاص فيعبدون من دون الله ترى المغفلين والمأجورين يزعقون بالدم بالروح نفديك يا أبو الجماجم. وما لم نتخلص من عبودية البشر فلن نعبد الله حقًا. وتحطيم أصنام البشر صعب.
فهي أعقد من تماثيل كثير من طواغيت العرب التي أصبحت ملعبًا للصبيان. وهناك في التاريخ من البشر الذين لا يلمسون مع أنهم بشر يخطئون ويصيبون.
نحن مثلا نفرح بذكرى حطين، ولكن قد نصدم إذا عرفنا أن (الناصر صلاح الدين الأيوبي) هو الذي ذيل بتوقيعه على إعدام (شهاب الدين السهروردي) لآراء قالها؟ وأخذ لقب الشاب القتيل في التاريخ.
ويحكي تفاصيل الواقعة (ابن أبي أصيبعة) في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) ص 641 فيقول ما مختصره عن السهروردي: "كان أوحدًا في العلوم الحكمية، جامعًا للفنون الفلسفية، بارعًا في الأصول الفلكية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة، لم يناظر أحداً إلا بزّه، ولم يباحث محصلاً إلا أربى عليه، وكان علمه أكثر من عقله.
فلما أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء كثر تشنيعهم عليه. فاستحضره السلطان الظاهر ابن صلاح الدين والأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام. فتكلم بكلام كثير بأن له فضل عظيم وعلم باهر وحسن موقعه عند الملك الظاهر فقربه وأصبح لديه مكين. فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضر بكفره وسيروها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين.
وقالوا إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، وإن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد. وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك. فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابًا في حقه بخط القاضي الفاضل يقول فيه"إن هذا الشاب السهروردي لا بد من قتله، ولا سبيل أن يطلق ولا يبقى بوجه من الوجوه" ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن أنه يقتل، وليس جهة إلى الإفراج عنه اختار أنه يترك في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى ففعل به ذلك.
وهناك رواية تقول إن الملك الظاهر أرسل إليه سرًا من خنقه. وكان ذلك في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب (586 هـ ـ 1190م). وكان عمره ست وثلاثون سنة. وقال عند وفاته وهو يجود بنفسه:
قل لأصحابي رأوني مـيتا فبكوني إذ رأوني حزنا
لا تظنوني بأني ميـــــــت ليس ذا الميت والله أنـا
أنا عصفور وهذا قفصـي طرت عنه فتخلى رهنا
لا ترعكم سكرة الموت فما هي إلا انتقال من هنـــا
ودفن الرجل بظاهر حلب ووجد مكتوبا على قبره:
قد كان صاحب هذا القبر جوهرة مكنونة قد براها الله من شرف
فلم تكن تعرف الأيام قيمتــــــــــه فردها غيرة منه إلى الصـــدف
هناك حقيقة أولية بسيطة تقول إن البشر غير معصومين. ولكن هذا كلام نظري فالواقع يقول أن هناك بشرًا معصومين، متعالين فوق الخطأ ودون النقد لا تخضع تصرفاتهم للتحليل ولا شخصياتهم للمس. وهو ما يحصل حينما نتناول شخصية مثل صلاح الدين الأيوبي.
ولو كان الرجل حاضراً لعذرني أكثر ممن سوف يهاجمني؛ فالرجل كان متسامحاً وعلى خلق عظيم. ولكنه مع هذا يبقى بشرا يخطئ ويصيب، كما يرتفع وينزل، وفي أعماله التفاوت.
وما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.
وحتى الرسول صل الله عليه وسلم فيه الجانب البشري الذي يقول فيه "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وفيه جانب خاص من تلقي الوحي فيقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي" و"لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء" و"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله".
واختلاط الإلهي بالبشري يدفع الأشخاص إلى رتبة القداسة فلا يلمسون ولا يخضعون للنقد والتحليل وهو خطر على الشخص وخطأ في الفكرة.
وأكبر خطأ تورطت فيه الكنيسة تحويل عيسى من (الناسوت) إلى (اللاهوت) فاختلفوا في حقيقته وما زالوا مختلفين.
وعندما يصبح الإنسان (البابا يوحنا) المعصوم؛ فقد دخل في دين الكنيسة، وفتح الطريق لخروج مارتن لوثر. وهي مشكلة الشيعة مع الأئمة، والدروز مع الحاكم بأمر الله الفاطمي، والعلويون (نصيريو بلاد الشام) مع علي، واليزيديون مع يزيد بن معاوية، الذي نصبوا له مقاما في جبل سنجار، كما فعل آخرون أمكنة لانهاية لها لرأس الحسين والست زينب ورقية وسكينة إلخ...
وهو ما حدث مع السنة في شخصية صلاح الدين الأيوبي.
ونحن عندنا القدرة أن ننتقد الآخرين، ولكننا نعمى أمام أخطائنا، والقرآن كان يتنزل ويتحدث عن الصحابة، أن منهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد الآخرة، ولم يكن الصحابة حول الرسول صل الله عليه وسلم من طبقة واحدة متشابهة، بل كانوا طرائق قددا، وحلقات وطبقات؛ فمنهم القريب الملتصق الذي لا يزيده قربه علمًا، ومنهم البعيد الذي يحضر بين الحين والآخر، ولكنه جيد الالتقاط للمفاهيم العميقة كما في عمر ر في مواقف عجيبة من تعطيل نص قرآني رأى أنه لا يعمل في مكانه (المؤلفة قلوبهم وقطع يد السارق في عام المجاعة) وتوزيع غنائم السواد في العراق؛ فهذا هو الفرق بين صحابي وصحابي.
وفي يوم بدت خيبة الرسول صل الله عليه وسلم كبيرة في صحابي جليل هو (ابن لبيد) فقال له ثكلتك أمك يا بن لبيد لقد ظننتك أفقه من بالمدينة؛ لأن الرسول صل الله عليه وسلم كان يظن أنه يفهم جيدا؛ فلما امتحنه في موضوع، تبين له أنه لم يستوعب جيدا، وهذا متوقع في أشخاص من بيئة أمية تسري في دمائهم روح قبلية يتلقون رسالة عالمية.
كان الصحابي يتوقع أن قراءة القرآن من جيل لآخر سوف يحفظ روح الإسلام؛ فقال له نبي الرحمة صل الله عليه وسلم فهذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيها بشيء؟
كان ذلك حين ذكر النبي صل الله عليه وسلم عن (ذهاب العلم) فقال الصحابي وكيف يضيع؟ ونحن نقرأ القرآن وسوف نقرئ أبناءنا القرآن، وهم بدورهم سيقرئون أبناءهم القرآن؛ فقال له ثكلتك أمك يا ابن لبيد ظننتك من أفقه رجل بالمدينة؟
هنا يضيع شيء فات الصحابي، وهو كيفية الاتصال مع النص، وبأي عقل يقرأه؛ فهذه داعش تقتل الناس مع كتابة هذه الأسطر بالنص، وتقوم بوأد المرأة، وترجم امرأة على شبهة، ولا يوجد نص في القرآن بالرجم، تفعل هذا هي وفاحش؛ وهنا فالرسول صل الله عليه وسلم من أجل إنارة الوعي عند الصحابي أخذ بيده إلى واقعة تاريخية، من قوم عندهم كتاب منزل بدون فائدة؟ وهو حال العالم الإسلامي اليوم، لأنه كما في قوانين الفيزياء العبرة ليست في نظام الإرسال بل المستقبل، ونظام الاستقبال عند المسلمين معطل منذ أيام كافور الأخشيدي.
بلاغ فهل يهلك إلا القوم الظالمون.
والناس معادن كمعادن الذهب والفضة إذا فقهوا. والعبرة بالجهاز المستقبل أكثر من المرسل. وبجانب آذاننا تئز آلاف الموجات فلا نسمع شيئا رحمة من ربنا.
ومن كان عنده (ريسيفر) ديجتال استقبل المحطات الفضائية بأجلى الصور. ومن اعتمد نظام الكابل القديم جاءت الصورة كيوم رملي عاصف.
وهذه الحقيقة البسيطة الأولية يعترف بها الناس حينما يتناظرون ويتناقشون ولكن اللاشعور هو الذي يحكم 95% من تصرفات الناس مقابل 5% للشعور.
ولذا كان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عاديا في (الشعور) مقدسًا في (اللاشعور). ومن يصاب بالصدمة حين يوضع على مشرحة النقد يفعل ذلك تحت ضغط منعكسات اللاوعي. وهو أمر معروف في علم النفس.